تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
أما الذين عاهدوا ووفوا بعهودهم ، فإن هؤلاء يجب إتمام عهدهم إلى مدتهم وفاء بوفاء ، وكرامة بكرامة . وعبر - سبحانه - بثم في قوله : * ( ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً ) * للدلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادى المدة وتطاولها . وقراءة الجمهور * ( يَنْقُصُوكُمْ ) * بالصاد المهملة ، وعليها يجوز أن يتعدى لواحد فيكون شيئا منصوبا على المصدرية أي : لم ينقصوكم شيئا من النقصان لا قليلا ولا كثيرا ، ويجوز أن يتعدى لاثنين فيكون شيئا مفعوله الثاني ، أي : لم ينقصوكم شيئا من شروط العهد بل أدوها بتمامها . وقرأ عطاء بن السائب الكوفي وعكرمة وأبو زيد ثم لم ينقضوكم بالضاد المعجمة وهي على حذف مضاف أي : ثم لم ينقضوا عهدكم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . وفي تنكير كلمة « شيئا » وكلمة « أحدا » دلالة على أن انتقاص المعاهدة ولو شيئا يسيرا ، وأن معاونة الأعداء بأي وسيلة مهما قلت . . . كل ذلك مبيح لنبذ العهد ، لأن الخيانة الصغيرة كثيرا ما تؤدى إلى الخيانة الكبيرة . قالوا : والمراد بهؤلاء الذين أمر المسلمون بإتمام عهدهم معهم : بنو ضمرة وبنو مدلج وهم من قبائل بنى بكر وكان قد بقي من عهدهم تسعة أشهر ، ولم ينقضوا مواثيقهم . وقوله * ( إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) * تذييل قصد به التعليل لوجوب الامتثال ، والتنبيه على أن الوفاء بالعهد إلى نهايته مع الموفين بعهدهم من تقوى اللَّه التي يحبها لعباده ويحبهم بسببها . قال صاحب المنار : والآية تدل على أن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام ما دام العهد معقودا ، وعلى أن العهد المؤقت لا يجوز نقضه إلا بانتهاء وقته وأن شرط وجوب الوفاء به علينا محافظة العدو المعاهد لنا عليه بحذافيره . فإن نقص شيئا ما من شروط العهد ، وأخل بغرض ما من أغراضه عد ناقضا ، لقوله - تعالى - * ( ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً ) * ، ولفظ شيء أعم الألفاظ وهو نكرة في سياق النفي فيصدق بأدنى إخلال بالعهد . ومن الضروري أن من شروطه التي ينتقض بالإخلال بها ، عدم مظاهرة أحد من أعدائنا وخصومنا علينا ، وقد صرح بهذا للاهتمام به ، وإلا فهو يدخل في عموم ما قبله ، وذلك أن الغرض الأول من المعاهدات ترك قتال كل من الفريقين المتعاهدين للآخر ، فمظاهرة أحدهما لعدو الآخر ، أي معاونته ومساعدته على قتاله وما يتعلق به ، كمباشرته للقتال بنفسه .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 204 | سيد محمد طنطاوي