تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
يخشى منه ، ومن ذلك قوله - تعالى - إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ . . . « 1 » ، وقوله - تعالى - ولَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْه أَخاه . . . « 2 » . ولقد كانت المدينة مأوى وملجأ للمهاجرين ، وكان أهلها مثالا للكرم والإيثار . . . ثانيهما : النصرة ، لأن أهل المدينة قد نصروا الرسول صلى اللَّه عليه وسلم والمهاجرين بكل ما يملكون من وسائل التأييد والمؤازرة ، فقد قاتلوا من قاتلهم ، وعادوا من عاداهم ، ولذا جعل اللَّه - تعالى - حكمهم وحكم المهاجرين واحدا فقال : * ( أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) * . فاسم الإشارة يعود إلى المهاجرين السابقين ، وإلى الأنصار . وقوله : * ( أَوْلِياءُ ) * جمع ولى ويطلق على الناصر والمعين والصديق والقريب . . . والمراد بالولاية هنا : الولاية العامة التي تتناول التناصر والتعاون والتوارث . . أي : أولئك المذكورون الموصوفون بهذه الصفات الفاضلة يتولى بعضهم بعضا في النصرة والمعاونة والتوارث . . وغير ذلك ، لأن حقوقهم ومصالحهم مشتركة . قال الآلوسي ما ملخصه : « روى عن ابن عباس أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار ، فكان المهاجر يرثه أخوه الأنصاري ، إذا لم يكن له بالمدينة ولى مهاجرى وبالعكس ، واستمر أمرهم على ذلك إلى فتح مكة ثم توارثوا بالنسب بعد إذ لم تكن هجرة . . وعليه فالآية منسوخة بقوله - تعالى - بعد ذلك * ( وأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّه . . ) * . وقال الأصم : الآية محكمة ، والمراد الولاية بالنصرة والمظاهرة « 3 » . والذي نراه أن الولاية هنا عامة فهي تشمل كل ما يحتاج إليه المسلمون فيما بينهم من تعاون وتناصر وتكافل وتوارث وغير ذلك . . وقوله - تعالى - : * ( والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا . . ) * بيان لحكم القسم الثالث من أقسام المؤمنين في العهد النبوي . . أي : هذا الذي ذكرته لكم قبل ذلك في الآية هو حكم المهاجرين السابقين والأنصار الذي آووهم ونصروهم أما حكم الذين آمنوا ولم يهاجروا ، وهم المقيمون في أرض الشرك تحت سلطان المشركين وحكمهم . فإنهم ليس بينهم وبين المهاجرين والأنصار ولاية إرث * ( حَتَّى يُهاجِرُوا ) * إلى المدينة ، كما أنكم - أيها المؤمنون - لا تنتظروا منهم تعاونا أو مناصرة ، لأنهم
هامش
( 1 ) سورة الكهف الآية 10 . ( 2 ) سورة يوسف الآية 69 . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 10 ص 37 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 167 | سيد محمد طنطاوي