تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
أي : * ( وما تُنْفِقُوا ) * - أيها المؤمنون - * ( مِنْ شَيْءٍ ) * قل أو كثر هذا المنفق * ( فِي سَبِيلِ اللَّه ) * أي في وجوه الخيرات التي من أجلَّها الجهاد لإعلاء كلمة الدين * ( يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ) * أي : يصل إليكم عوضه في الدنيا وأجره في الآخرة * ( وأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) * أي : لا تنقصون شيئا من العوض أو الأجر . قالوا : والتعبير بالظلم - مع أن الأعمال غير موجبة للثواب حتى يكون ترك ترتيبه عليها ظلما - لبيان كمال نزاهته - سبحانه - عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه - تعالى - من القبائح ، وإبراز الإثابة في معرض الأمور الواجبة عليه - تعالى - » « 1 » . هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتي : 1 - وجوب إعداد القوة الحربية للدفاع عن الدين وعن الوطن وعن كل ما يجب الدفاع عنه ، لأن أعداء الإسلام إذا ما علموا أن أتباعه أقوياء هابوهم ، وخافوا بأسهم ، ولم يجرؤوا على مهاجمتهم . قال القرطبي : وقوله - تعالى - * ( وأَعِدُّوا لَهُمْ ) * . أمر اللَّه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء ، بعد أن أكد تقدمة التقوى . فإن اللَّه - تعالى - لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم ، وبحفنة من تراب ، كما فعل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، ولكن أراد أن يبتلى بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ . . . » « 2 » . وقال بعض العلماء : دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية ، اتقاء بأس العدو وهجومه ، ولما عمل الأمراء بمقتضى هذه الآية أيام حضارة الإسلام ، كان الإسلام عزيزا ، عظيما ، أبى الضيم ، قوى القنا ، جليل الجاه ، وفير السنا ، إذ نشر لواء سلطته على منبسط الأرض ، فقبض على ناصية الأقطار والأمصار . أما اليوم فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة ، ومالوا إلى النعيم والترف ، فأهملوا فرضا من فروض الكفاية ، فأصبحت جميع الأمة آثمة بترك هذا الفرض ، ولذا تعاني اليوم من غصته ما تعاني . وكيف لا يطمع العدو في بلاد الإسلام ، وهو لا يرى فيها معامل للأسلحة ، وذخائر الحرب ، بل كلها مما يشترى من بلاد العدو ؟ أما آن لها أن تتنبه من غفلتها ، فتعد العدة التي أمر اللَّه بها لأعدائها ، وتتلافى ما فرطت قبل أن يداهم العدو ما بقي منها بخيله ورجله . . ؟
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 254 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 8 ص 35 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 141 | سيد محمد طنطاوي