تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
حتى قالوا : اللهم انصر أهدى الفئتين ، وأفضل الدينين . فالقول مجاز عن الوسوسة . والإسناد في قوله * ( وإِنِّي جارٌ لَكُمْ ) * من قبيل الإسناد إلى السبب الداعي . و * ( لَكُمُ ) * خبر * ( لا ) * أو صفة * ( غالِبَ ) * والخبر محذوف . أي : لا غالب كائنا لكم موجود . و * ( الْيَوْمَ ) * معمول الخبر . و * ( مِنَ النَّاسِ ) * حال من ضمير الخبر . . . » « 1 » . وقوله : * ( فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْه وقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ ، إِنِّي أَخافُ اللَّه ، واللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ ) * بيان لما فعله الشيطان وقاله بعد أن رأى ما رأى من قوة لا طاقة له بها . . وقوله * ( تَراءَتِ الْفِئَتانِ ) * أي : تقاربتا بحيث صارت كل فئة ترى الأخرى رؤية واضحة . ومنهم من جعل * ( تَراءَتِ ) * بمعنى التقت وقوله * ( نَكَصَ عَلى عَقِبَيْه ) * أي : ولى هاربا ورجع القهقرى . وأبطل كيده وذهب ما مناهم به من النصرة والعون يقال : نكص عن الأمر نكوصا ونكصا أي : تراجع عنه وأحجم . والعقب : مؤخر القدم . والمعنى : لقد حرض الشيطان جنوده من الكافرين على حربكم - أيها المؤمنون - ، ومناهم بالنصر عليكم . . . ولكنه حينما تراءت الفئتان : فئتكم وفئته ، ورأى ما أمدكم اللَّه به من الملائكة ، ولى مدبرا وقال للكافرين : * ( إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ ) * أي : من عهدكم وجواركم ونصرتكم ، * ( إِنِّي أَرى ) * من الملائكة النازلة لتأييد المؤمنين مالا ترونه أنتم * ( إِنِّي أَخافُ اللَّه ) * أن يعذبني قبل يوم القيامة ، أو إني أخاف اللَّه أن يصيبني بمكروه من قبل ملائكته . وقوله * ( واللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ ) * يحتمل أنه من كلام إبليس الذي حكاه اللَّه - تعالى - عنه ، ويحتمل أنه جملة مستأنفة من كلامه عز وجل . أي : واللَّه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره . هذا ، وهناك قولان في كيفية تزيين الشيطان للمشركين : أحدهما : أن هذا التزيين لم يكن حسيا ، وإنما كان معنويا عن طريق الوسوسة دون أن يتحول الشيطان إلى صورة إنسان . وعليه يكون قوله * ( لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ . . . ) * مجازا عن الوسوسة . وقوله * ( نَكَصَ عَلى عَقِبَيْه ) * استعارة لبطلان كيده ، شبه بطلان كيده بعد وسوسته بمن رجع القهقرى عما يخافه .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 10 ص 15 .