وثانيهما : أن هذا التزيين كان حسيا بمعنى أن الشيطان تمثل لهم في صورة إنسان ، وقال لهم ما قال مما حكاه اللَّه - تعالى - عنه .
وقد ذكر صاحب الكشاف هذين الوجهين في تفسير الآية فقال : واذكر * ( إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ) * التي عملوها في معاداة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون ، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم ، فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم ، أي : بطل كيده حين نزلت جنود اللَّه .
وكذا عن الحسن - رحمه اللَّه - قال : كان ذلك على سبيل الوسوسة ولم يتمثل لهم .
وقيل : لما اجتمعت قريش على السير - لحرب المسلمين في بدر - ذكرت الذي بينها وبين كنانة من الحرب ، فكاد ذلك يثنيهم عن حرب المسلمين ، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة ابن مالك بن جعشم الشاعر الكناني - وكان من أشرفهم - في جند من الشياطين معه راية وقال : لا غالب لكم اليوم وإني مجيركم من بنى كنانة . فلما رأى الملائكة تنزل ، نكص .
وقيل : كانت يده في يد الحارث بن هشام ، فلما نكص قال له الحارث : إلى أين ؟ أتخذلنا في هذه الحال ؟ فقال : إني أرى ما لا ترون ، ودفع صدر الحارث وانطلق وانهزموا .
فلما بلغوا مكة قالوا : هزم الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة فقال : واللَّه ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم . فلما أسلموا علموا أنه الشيطان .
وفي الحديث - الذي أخرجه مالك في الموطأ - : « وما رئي إبليس يوما أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة لما يرى من نزول الرحمة . إلا ما رئي يوم بدر » « 1 » .
وقد ذكر ابن جرير وابن كثير روايات أخرى تتفق في جملتها مع ما ذكره صاحب الكشاف ، وإن كانت تختلف عنها في التفصيل ، ومن ذلك قول ابن جرير :
« وكان تزيينه ذلك لهم كما حدثني المثنى قال : حدثنا عبد اللَّه بن صالح ، قال : حدثني معاوية عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رايته في صورة رجل من بنى مدلج ، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال الشيطان للمشركين : لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما اصطف الناس ، أخذ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قبضة من التراب ، فرمى بها في وجوه المشركين ، فولوا الأدبار .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 227 وقوله : « ولا ادحر » الدحور : الطرد والإبعاد قال ابن حجر : والحديث أخرجه مالك في الموطأ من رواية طلحة ابن عبيد اللَّه ابن كريز مرسلا ، ومن طريق مالك أخرجه عبد الرزاق والطبري والبيهقي في الشعب ، وانفرد أبو النضر بن إسماعيل بن إبراهيم العجلي عن مالك فقال : عن طلحة عن أبيه : قال ابن عبد البر : الصواب مرسل ، حاشية الكشاف ج 2 ص 228 .