الصفة لا بد منها لمن يريد أن يصل إلى آماله وغاياته .
ورحم اللَّه الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين الكريمتين : « هذا تعليم من اللَّه - تعالى - لعباده المؤمنين آداب اللقاء ، وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء » .
وقد ثبت في الصحيحين عن عبد اللَّه بن أبي أوفى أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم انتظر في بعض أيامه التي لقى فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال : يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا اللَّه العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف . ثم قام وقال : اللهم منزل الكتاب ، ومجرى السحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم » .
وفي الحديث الآخر المرفوع يقول اللَّه - تعالى - « إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه » أي : لا يشغله ذلك الحال عن ذكرى ودعائي واستعانتى .
وعن قتادة في هذه الآية : « افترض اللَّه ذكره عند أشغل ما يكون . الضرب بالسيوف » .
ثم قال : « وقد كان للصحابة - رضى اللَّه عنهم - في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم اللَّه ورسوله ، وامتثال ما أرشدهم إليه ، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم ، ولا يكون لأحد من بعدهم ، فإنهم ببركة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وطاعته فيما أمرهم ، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا ، في المدة اليسيرة ، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس . . . قهروا الجميع حتى علت كلمة اللَّه وظهر دينه على سائر الأديان ، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة فرضي اللَّه عنهم وأرضاهم أجمعين ، وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهاب » « 1 » .
وبعد هذه التوجيهات السامية التي رسمت للمؤمنين طريق النصر ، نهاهم - سبحانه - عن التشبه بالكافرين الذين صدهم الشيطان عن السبيل الحق ، فقال تعالى :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 47 إلى 49 ]
ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً ورِئاءَ النَّاسِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه واللَّه بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 47 ) وإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْه وقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّه واللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ ( 48 ) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه فَإِنَّ اللَّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 49 )
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 36 .