تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
وتقديرهم ، وذلك قوله قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا ، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّه وأُخْرى كافِرَةٌ ، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ « 1 » ولئلا يستعدوا لهم ، وليعظم الاحتجاج عليهم فاستيضاح الآية البينة من قلتهم أولا ، وكثرتهم آخرا . ثم قال : فإن قلت : بأي طريق يبصرون الكثير قليلا ؟ قلت : بأن يستر اللَّه عنهم بعضه بساتر ، أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير ، كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين . قيل لبعضهم : إن الأحوال يرى الواحد اثنين - وكان بين يديه ديك واحد - فقال : ما لي لا أرى هذين الديكين أربعة « 2 » . وقوله - سبحانه - * ( لِيَقْضِيَ اللَّه أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وإِلَى اللَّه تُرْجَعُ الأُمُورُ ) * بيان لحكمة تدبيره ، ونفاذ قدرته ، وشمول إرادته . أي فعل - سبحانه - ما فعل من تقليل كل فريق في عين الآخر ، ليقضى أمرا كان مفعولا ، أي : ثابتا في علمه وحكمته ، وهو نشوب القتال المفضى إلى انتصار المؤمنين ، واندحار الكافرين وإلى اللَّه وحده ترجع الأمور لا إلى أحد سواه ، فإن كل شيء عنده بمقدار ، ولأن كل شيء في هذا الكون بقضائه وقدره ، وما من شيء إلا مصيره ومرده إليه . قال بعض العلماء : ولا يقال إن قوله - تعالى - : * ( لِيَقْضِيَ اللَّه أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ) * مكرر مع ما سبق ، لأننا نقول : إن المقصود من ذكره أولا - في قوله : إذ أنتم بالعدوة الدنيا . . هو اجتماعهم بلا ميعاد ليحصل استيلاء المؤمنين على الكافرين ، على وجه يكون معجزة دالة على صدق النبي صلى اللَّه عليه وسلم والمقصود منه هنا بيان خارق آخر ، وهو تقليلهم في أعين المشركين ثم تكثيرهم للحكم المتقدمة « 3 » . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة حكت لنا جانبا من أحداث غزوة بدر بأسلوب تصويري بديع في استحضار لمشاهدها ومواقفها ، وكشفت لنا عن جوانب من مظاهر قدرة اللَّه ، ومن تدبيره المحكم الذي كان فوق تدبير البشر ، ومن تهيئة الأسباب الظاهرة والخفية التي أدت إلى نصر المؤمنين وخذلان الكافرين . وبعد هذا التذكير النافع ، والتصوير المؤثر لأحداث غزوة بدر ، وجه - سبحانه - في هذه السورة إلى المؤمنين النداء السادس والأخير ، حيث أمرهم بالثبات في وجه أعدائهم ، وبالمداومة على ذكره وطاعته . . ، ونهاهم عن التنازع والاختلاف فقال - تعالى - :
هامش
( 1 ) سورة آل عمران الآية 13 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 225 . [ . . . ] ( 3 ) تفسير القاسمي ج 8 ص 3010 .