تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
ثم قال - تعالى - : * ( وهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ) * . الأوزار جمع وزر وهو - بكسر الواو - الحمل الثقيل ، ويطلق على الإثم والذنب لأنهما أثقل الأحمال النفسية التي تنوء بها القوة . والجملة الكريمة من قبيل الاستعارة التمثيلية حيث شبهت حالهم وما يحملونه يوم القيامة من ذنوب ثقيلة مضنية ، بهيئة المثقل المجهد بحمل كبير يحمله على ظهره وينوء به . ثم حذفت الهيئة الدالة على المشبه به ورمز إليها بشيء من لوازمها . وقيل إن الكلام على حقيقته وأنهم سيحملون ذنوبهم على ظهورهم فعلا ، حيث إن الذنوب والأعمال ستتجسم يوم القيامة ، وبهذا الرأي قال كثير من أهل السنة . والمعنى : إن هؤلاء الكافرين يأتون يوم القيامة وهم يحملون ذنوبهم وآثامهم على ظهورهم ، ألا ما أسوأ ما حملوا ، وما أشد ما سيستقبلونه بعد ذلك من عذاب أليم . ثم عقد - سبحانه - مقابلة بين الحياة الدنيا والآخرة . بين فيها أن الحياة الآخرة هي الحياة العالية السامية الباقية ، أما الحياة الدنيا فهي إلى زوال وانتهاء فقال - تعالى - : * ( ومَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ ولَهْوٌ ، ولَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) * . اللعب : هو العمل الذي لا يقصد به مقصدا صحيحا من تحصيل منفعة أو دفع مضرة ، واللهو : هو طلب ما يشغل عن معالى الأمور وعما يهم الإنسان ويعنيه . والمعنى : إن هذه الحياة التي نعتها الكفار بأنها لا حياة سواها ما هي إلا لهو ولعب لمن يطلبها بأنانية وشره من غير استعداد لما يكون وراءها من حياة أخرى فيها الحساب والجزاء ، وفيها النعيم الذي لا ينتهى ، وفيها السعادة التي لا تحد ، بالنسبة للذين اتقوا ربهم ، ونهوا أنفسهم عن الهوى . فالحياة الدنيا لعب ولهو لمن اتخذوها فرصة للتكاثر والتفاخر وجمع الأموال من حلال وحرام ، ولم يقيموا وزنا للأعمال الصالحة التي كلفهم اللَّه - تعالى - بها . أما بالنسبة للذين قالوا ربنا اللَّه ثم استقاموا . فإن الحياة الدنيا تعتبر وسيلة إلى رضا اللَّه الذي يظفرون به يوم القيامة ، وإن ما يحصل عليه المؤمنون في هذا اليوم من ثواب جزيل ومن نعيم مقيم هو خير من الدنيا وما فيها من متعة زائلة ومن شهوات لا دوام لها . والاستفهام في قوله - تعالى - * ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) * للحث على التدبر والتفكر والموازنة بين اللذات العاجلة الفانية التي تكون في الدنيا ، وبين النعيم الدائم الباقي الذي يكون في الآخرة . ثم أخذ القرآن الكريم في مخاطبة النبي صلى اللَّه عليه وسلم وفي تسليته عما أصابه من قومه فقال :