تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
وهنا يحكم اللَّه فيهم بحكمه العادل فيقول : * ( قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) * أي : إذا كان الأمر كما ذكرتم وشهدتم على أنفسكم ، فانغمسوا في العذاب ذائقين لآلامه وأهواله بسبب كفركم بآيات اللَّه ، وإنكاركم لهذا اليوم العصيب . والذوق هنا كناية عن الإحساس الشديد بالعذاب بعد أن وقعوا فيه . ثم صور - سبحانه - عاقبتهم السيئة ، وخسارتهم التي ليس بعدها خسارة فقال : * ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّه ) * . أي : أن أولئك الكفار الذين أنكروا البعث والحساب قد خسروا أعز شيء في هذه الحياة ، ومن مظاهر ذلك أنهم خسروا الرضا الذي سيناله المؤمنون من ربهم ، وخسروا العزاء الروحي الذي يغرس في قلب المؤمن الطمأنينة والصبر عند البلاء ، لأن المؤمن يعتقد أن ما عند اللَّه خير وأبقى ، بخلاف الكافر فإن الدنيا منتهى آماله . وإن هؤلاء الخاسرين سيستمرون في تكذيبهم بالحق وإعراضهم عنه * ( حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا : يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها ) * . أي : حتى إذا جاءتهم الساعة مباغته مفاجئة وهم في طغيانهم يعمهون ، اعتراهم الهم ، وحل بهم البلاء وقالوا : بعد أن سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا يا حسرتنا أقبلي فهذا أوانك ، فإننا لم نستعد لهذا اليوم ، بل أهملناه ولم نلتفت إليه . وعلى ذلك يكون المراد بالساعة يوم القيامة وما فيه من حساب . وقيل : المراد بالساعة وقت مقدمات الموت ، فالكلام على حذف المضاف ، أي : جاءتهم مقدمات الساعة وهي الموت وما فيه من الأهوال . فلما كان الموت من مبادئ الساعة سمى باسمها ، ولذا قال صلى اللَّه عليه وسلم « من مات فقد قامت قيامته » . وسميت القيامة ساعة لسرعة الحساب فيها ، ولأنها تحمل أشد الأهوال ولأنها فاصلة بين نوعين من الحياة : فانية وأخرى باقية . وفي قوله - تعالى - * ( حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ) * إشارة إلى أنها تفاجئهم بأهوالها من غير أن يكونوا مستعدين لها أو متوقعين لحدوثها ، أما المؤمنين - فإنهم رغم عدم علمهم بمجيئها - فإنهم يكونون في حالة استعداد لها بالإيمان والعمل الصالح . والبغت والبغتة مفاجأة الشيء بسرعة من غير إعداد له ، وكلمة * ( بَغْتَةً ) * يصح أن تكون مصدرا في موضع الحال من فاعل جاءتهم أي : جاءتهم مباغتة ، ويصح أن تكون مفعولا مطلقا لفعل محذوف من لفظها أي : تبغتهم بغتة ، والحسرة : شدة الغم والندم على ما فات وانقضى .