تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
والمعنى : وأوحينا إلى موسى حين طلب منه قومه الماء أن اضرب بعصاك الحجر فضربه فخرج منه الماء من اثنتي عشرة عينا ليروا بأعينهم مظاهر قدرتنا ، وليشاهدوا دليلا من الأدلة المتعددة التي تؤيد موسى في أنه صادق فيما يبلغه عن ربه - عز وجل . وقوله * ( إِذِ اسْتَسْقاه قَوْمُه ) * يفيد أن الذي سأل ربه السقيا هو موسى وحده ، لتظهر كرامته لدى ربه عند قومه ، وليشاهدوا بأعينهم كيف أن اللَّه - تعالى - قد أكرمه حيث أجاب دعاءه ففجر لهم الماء من الحجر . وال في * ( الْحَجَرَ ) * لتعريف الجنس ، أي : اضرب أي حجر شئت بدون تعيين ، وقيل للعهد ، ويكون المراد حجرا معينا معروفا لموسى - عليه السلام - بوحي من اللَّه - تعالى - وقد أورد بعض المفسرين في ذلك آثارا حكم عليها المحققون من العلماء بالضعف ، ولذا لم نعتد بها . والذي نرجحه أن « أل » هنا لتعريف الجنس ، لأن انفجار الماء من أي حجر بعد ضربه أظهر في إقامة البرهان على صدق موسى - عليه السلام - وأدعى لإيمان بني إسرائيل وانصياعهم للحق بعد وضوحه ، وأبعد عن التشكيك في إكرام اللَّه لنبيه موسى ، إذ لو كان انفجار الماء من حجر معين لأمكن أن يقولوا إن انفجار الماء منه لمعنى خاص بهذا الحجر ، وليس لكرامة موسى عند ربه - عز وجل - . والفاء في قوله * ( فَانْبَجَسَتْ مِنْه اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ) * معطوفة على محذوف والتقدير : فضرب فانبجست . . قال بعضهم : والانبجاس والانفجار واحد . يقال بجست الماء أبجسه فانبجس ، بمعنى فجرته فانفجر . وقيل : إن الانبجاس خروج الماء من مكان ضيق بقلة ، والانفجار خروجه بكثرة . ولا تنافى بين قوله - تعالى - في سورة البقرة فَانْفَجَرَتْ وبين قوله هنا * ( فَانْبَجَسَتْ ) * لأنه انبجس أولا ثم انفجر ثانيا . وكذا العيون يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه . وكانت العيون اثنتي عشرة عينا بحسب عدد أسباط بني إسرائيل إتماما للنعمة عليهم حتى لا يقع بينهم تنازع أو تشاجر . وقوله * ( قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ ) * إرشاد وتنبيه إلى حكمة الانقسام إلى اثنتي عشرة عينا . أي : قد عرف كل سبط من أسباط بني إسرائيل مكان شربه فلا يتعداه إلى غيره ، وفي ذلك ما فيه من استقرار أمورهم ، واطمئنان نفوسهم ، وعدم تعدى بعضهم على بعض .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 399 | سيد محمد طنطاوي