تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
ثم وصف اللَّه تعالى ذاته بما هو أهل له من صفات القدرة والوحدانية فقال تعالى : * ( الَّذِي لَه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ لا إِله إِلَّا هُوَ يُحيِي ويُمِيتُ ) * أي : قل - يا محمد - للناس إني رسول إليكم من اللَّه الذي له التصرف في السماوات والأرض ، والذي لا معبود بحق سواه والذي بيده الأحياء والإماتة ، ومن كان هذا شأنه فمن الواجب أن يطاع أمره ، وأن يترك ما نهى عنه ، وأن يصدق رسوله . ثم بنى - سبحانه - على هذه النعوت الجليلة التي وصف بها نفسه الدعوة إلى الإيمان فقال تعالى : * ( فَآمِنُوا بِاللَّه ورَسُولِه النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّه وكَلِماتِه واتَّبِعُوه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) * أي : فآمنوا أيها الناس جمعا باللَّه الواحد الأحد وآمنوا - أيضا برسوله محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم النبي الأمى الذي يؤمن باللَّه ، وبما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من كتبه ووحيه واسلكوا سبيله ، واقتفوا آثاره ، في كل ما يأمر به أو ينهى عنه رجاء أن تهتدوا إلى الصراط المستقيم . وفي وصفه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالأمية مرة ثانية ، إشارة إلى كمال علمه ، لأنه مع عدم مطالعته للكتاب ، أو مصاحبته لمعلم . فتح اللَّه له أبواب العلم ، وعلمه ما لم يكن يعلم من سائر العلوم التي تعلمها الناس عنه ، وصاروا بها أئمة العلماء وقادة المفكرين ، فأكرم بها من أمية تضاءل بجانبها علم العلماء في كل زمان ومكان . وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد وصفتا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بأشرف الصفات وأقامتا أوضح الحجج وأقواها على صدقه في نبوته ، ودعتا اليهود بل الناس جميعا إلى الإيمان به لأنه قد بشرت به الكتب السماوية السابقة ولأنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ما جاءهم إلا بالخير ، وما نهاهم إلا عن الشر . ولأن شريعته تمتاز باليسر والسماحة ، ولأن أنصاره وأتباعه هم المفلحون ، ولأن رسالته عامة للجن والانس ، ومن كانت هذه صفاته ، وتلك شريعته ، جدير أن يتبع ، وقمين أن يصدق ويطاع ، وما يعرض عن دعوته إلا من طغى وآثر الحياة الدنيا . ثم بين القرآن الكريم أن قوم موسى لم يكونوا جميعا ضالين . وإنما كان فيهم الأخيار وفيهم الأشرار فقال - تعالى - : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 159 ] ومِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِه يَعْدِلُونَ ( 159 ) أي : ومن قوم موسى جماعة عظيمة يهدون الناس بالحق الذي جاءهم به من عند اللَّه ، وبالحق - أيضا - يسيرون في أحكامهم فلا يجورون ، ولا يرتشون ، وإنما يعدلون في كل شؤونهم . والمراد بهم أناس كانوا على خير وصلاح في عهد موسى - عليه السلام ، مخالفين لأولئك السفهاء من قومه .