تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
فرعون قد توعد هؤلاء المؤمنين بالعذاب والتشويه والتنكيل والموت القاسي البطيء المرهوب ، فإننا نراهم يقابلون كل ذلك بالصبر الجميل ، والإيمان العميق ، والاستهانة ببطش فرعون وجبروته فيقولون له بكل ثبات واطمئنان : * ( إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ) * قال صاحب الكشاف : فيه أوجه : أن يريدوا إنا لا نبالى بالموت لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته وخلاصنا منك ومن لقائك . أو ننقلب إلى اللَّه يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب . أو إنا جميعا يعنون أنفسهم وفرعون ننقلب إلى اللَّه فيحكم بيننا . أو إنا لا محالة ميتون منقلبون إلى اللَّه فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه « « 1 » . ثم قالوا له على سبيل الاستهزاء والتوبيخ * ( وما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا ) * أي : وما تكره منا وتعيب إلا الإيمان باللَّه ، مع أن ما تكرهه منا وتعيبه علينا هو أعظم محاسننا ، لأنه خير الأعمال ، وأعظم المناقب ، فلا نعدل عنه طلبا لمرضاتك . يقال : نقم عليه أمره ، ونقمت منه نقما - من باب ضرب - عبته وكرهته أشد الكراهة . قال الجمل : وقوله * ( إِلَّا أَنْ آمَنَّا ) * يجوز أن يكون في محل نصب مفعول به ، أي : ما تعيب علينا إلا إيماننا . ويجوز أن يكون مفعولا من أجله . أي : ما تنال منا وتعذبنا لشيء من الأشياء إلا لإيماننا . وعلى كل من القولين فهو استثناء مفرغ « « 2 » . ثم ختموا مناقشتهم لفرعون بالانصراف عنه والالتجاء إلى اللَّه - تعالى - فقالوا : * ( رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ) * أي : يا ربنا أفض علينا صبرا واسعا لنثبت على دينك ، وتوفنا إليك حالة كوننا مسلمين لك مذعنين لأمرك ونهيك ، مستسلمين لقضائك . وبذلك يكون السحرة قد ضربوا للناس في كل زمان ومكان أروع الأمثال في التضحية من أجل العقيدة ، وفي الوقوف أمام الطغيان بثبات وعزة ، وفي الصبر على المكاره والآلام ، وفي المسارعة إلى الدخول في الطريق الحق بعد أن تبين لهم ، وفي التعالي عن كل مغريات الحياة . قال قتادة : كانوا في أول النهار كفارا سحرة . وفي آخره شهداء بررة ، فرضي اللَّه عنهم وحشرنا في زمرتهم . وبعد هذا الحديث الذي ساقته السورة عما دار بين موسى وفرعون ، وبين موسى والسحرة ، والذي انتهى بإيمان السحرة برب العالمين بعد ذلك بدأت السورة تحكى لنا ما قاله الملأ من قوم فرعون بعد هزيمتهم المنكرة ، وما قاله موسى - عليه السلام - لقومه بعد أن بلغهم وعيد فرعون وتهديده لهم ، وما رد به قومه عليه مما يدل على سفاهتهم فقالت :
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 141 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 179 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 352 | سيد محمد طنطاوي