تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
وقد قرئ * ( ويَذَرَكَ ) * بالنصب والرفع أما النصب فعلى أنه معطوف على * ( لِيُفْسِدُوا ) * وأما الرفع فعلى أنه عطف على * ( أَتَذَرُ ) * أو على الاستئناف ، أو على أنه حال بحذف المبتدأ أي : وهو يذرك . والمتأمل في هذا الكلام الذي حكاه القرآن عن الملأ من قوم فرعون ، يراه يطفح بأشد ألوان التآمر والتحريض . فهم يخوفونه فقدان الهيبة والسلطان بتحطيم الأوهام التي يستخدمها السلطان ، لذا نراه يرد عليهم بمنطق الطغاة المستكبرين فيقول : * ( سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ ، ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ ) * . أي : لا تخافوا ولا ترتاعوا أيها الملأ فإن قوم موسى أهون من ذلك ، وسننزل بهم ما كنا نفعله معهم من قبل وهو تقتيل الأبناء ، وترك النساء أحياء ، وإنا فوقهم غالبون كما كنا ما تغير شيء من حالنا ، فهم الضعفاء ونحن الأقوياء ، وهم الأذلة ونحن الأعزة . فأنت ترى أن ما قاله الملأ من قوم فرعون هو منطق حاشية السوء في كل عهود الطغيان فهم يرون أن الدعوة إلى وحدانية اللَّه إفساد في الأرض ، لأنها ستأتي على بنيانهم من القواعد . ولأنها هي الدعوة إلى وحدانية اللَّه التي ستحرر الناس من ظلمهم وجبروتهم ، وتفتح العيون على النور الذي يخشاه أولئك الفاسقون . وترى أن ما قاله فرعون هو منطق الطغاة المستكبرين دائما . فهم يلجئون إلى قوتهم المادية ليحموا بها آثامهم ، وشهواتهم ، وسلطانهم القائم على الظلم ، والبطش ، والمنافع الشخصية . ويبلغ موسى وقومه هذا التهديد والوعيد من فرعون وملئه فماذا قال موسى - عليه السلام - ؟ لقد حكى القرآن عنه أنه لم يحفل بهذا التهديد بل أوصى قومه بالصبر ، ولوح لهم بالنصر . استمع إلى القرآن وهو يحكى قول موسى - عليه السلام - فيقول : * ( قالَ مُوسى لِقَوْمِه اسْتَعِينُوا بِاللَّه واصْبِرُوا ، إِنَّ الأَرْضَ لِلَّه يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه ، والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) * . أي : قال موسى لقومه على سبيل التشجيع والتسلية حين ضجوا وارتعبوا من تهديدات فرعون وملئه : يا قوم استعينوا باللَّه في كل أموركم . واصبروا على البلاء ، فهذه الأرض ليست ملكا لفرعون وملئه ، وإنما هي ملك للَّه رب للعالمين ، وهو - سبحانه - يورثها لمن يشاء من عباده ، وقد جرت سنته - سبحانه - أن يجعل العاقبة الطيبة لمن يخشاه ولا يخشى أحدا سواه . بهذا الأسلوب المؤثر البليغ ، وبهذه الوصايا الحكيمة ، وصى موسى قومه بني إسرائيل فماذا كان ردهم عليه ؟ لقد كان ردهم يدل على سفاهتهم ، فقد قالوا له : * ( أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا ومِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا ) * أي : قال بنو إسرائيل لموسى ردا على نصيحته لهم : لقد أصابنا الأذى من