يعملون من الحيل والتخييل وذهب تأثيره . وترتب على ذلك أن أصابت الهزيمة المنكرة فرعون وملأه وسحرته في ذلك المجمع العظيم ، الذي حشر الناس له في يوم عيدهم وزينتهم ، وانقلب الجميع إلى بيوتهم صاغرين أذلاء ، بعد أن أنزل بهم موسى الخذلان والخيبة .
وان قوله * ( أَنْ أَلْقِ ) * يجوز أن تكون مفسرة لتقدم ما فيه معنى القول دون حروفه وهو الإيحاء ، ويجوز أن تكون مصدرية فتكون هي وما بعدها مفعول الإيحاء .
والفاء في قوله * ( فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ) * فصيحة أي : فألقاها فصارت حية فإذا هي تلقف ما يأفكون .
وإنما حذف هذا المقدر للإيذان بمسارعة موسى إلى الإلقاء ، وبغاية سرعة الانقلاب ، كأن ابتلاعها لما يأفكون قد حصل متصلا بالأمر بالإلقاء .
و * ( ما ) * في قوله * ( ما يَأْفِكُونَ ) * موصولة والعائد محذوف أي : الذي يأفكونه ، أو مصدرية وهي مع الفعل بمعنى المفعول أي : فإذا هي تلقف المأفوك .
وفي التعبير بقوله - سبحانه - * ( فَوَقَعَ الْحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * تجسيم لهذا الحق الذي كان عليه موسى ، وتثبيت واستقرار له ، حتى لكأنه شيء ذو ثقل نزل على شيء آخر خفيف الوزن فأزاله ومحاه من الوجود .
وهذه الآيات الكريمة تصور لنا كيف أن الباطل قد يسحر عيون الناس ببريقه لفترة من الوقت ، وقد يسترهب قلوبهم لساعة من الزمان ، حتى ليخيل إلى الكثيرين الغافلين أنه غالب وجارف . ولكن ما إن يواجهه الحق الهادئ الثابت المستقر بقوته التي لا تغالب حتى يزهق ويزول ، وينطفئ كشعلة الهشيم ، وإذا بأتباع هذا الباطل يصيبهم الذل والصغار ، وهم يرون صروحهم تتهاوى ، وآمالهم تتداعى ، أمام نور الحق المبين ، وإذا بتحديهم الصريح ، وتطاولهم الأحمق يتحول إلى استسلام مهين ، وذل مشين .
ثم يحكى لنا القرآن بعد ذلك موقف السحرة بعد أن رأوا بأعينهم أن ما فعله موسى - عليه السلام - ليس من قبيل السحر فقال : * ( فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ) * أي : خروا سجدا ، كأنما - كما قال الزمخشري - قد ألقاهم ملق لشدة خرورهم أو لم يتمالكوا أنفسهم مما رأوا فكأنهم ألقوا .
والمراد أن ظهور بطلان سحرهم ، وإدراكهم بأن موسى على الحق ، قد حملهم على السجود للَّه - تعالى - وأن نور الحق قد بهرهم وجعلهم يسارعون إلى الإيمان حتى لكأن أحدا قد دفعهم إليه دفعا ، وألقاهم إليه إلقاء .
وقوله * ( قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ . رَبِّ مُوسى وهارُونَ ) * أي : قال السحرة بعد أن تبين لهم
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 350
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٥٠