تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
الحق وخروا ساجدين للَّه ، آمنا بمالك أمر العالمين ومدبر شؤونهم ، والمتصرف فيهم ، وجملة * ( رَبِّ مُوسى وهارُونَ ) * بدل من الجملة التي قبلها ، أو صفة لرب العالمين ، أو عطف بيان . وفائدة ذلك نفى توهم من يتوهم أن رب العالمين قد يطلق على غير اللَّه - تعالى - كقول فرعون أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى . وهكذا نرى أثر الحق عندما تخالط بشاشته القلوب الواعية ، لقد آمن السحرة وصرحوا بذلك أمام فرعون وشيعته ، لأنهم أدركوا عن يقين قطعي أن ما جاء به موسى - عليه السلام - ليس من قبيل السحر ، والعالم في فنه هو أكثر الناس استعدادا للتسليم بالحقيقة حين تتكشف له ، ومن هنا فقد تحول السحرة من التحدي السافر إلى التسليم المطلق أمام صولة الحق الذي لا يجحده إلا مكابر حقود . ولكن فرعون وملؤه لم يرقهم ما شاهدوا من إيمان السحرة ، ولم يدركوا لانطماس بصيرتهم فعل الإيمان في القلوب ، فأخذ يتوعدهم بالموت الأليم ويحكى القرآن ذلك فيقول : * ( قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِه قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) * أي : قال فرعون منكرا على السحرة إيمانهم ، آمنتم برب موسى وهارون قبل أن آمركم أنا بذلك ؟ فهو لغروره وجهله ظن أن الإيمان بالحق بعد أن تبين يحتاج إلى استئذان . ثم أضاف إلى ذلك اتهامهم بأن إيمانهم لم يكن عن إخلاص ليصرف الناس عنهم فقال : * ( إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوه فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها ) * أي : إن ما صنعتموه من الإيمان برب موسى وهارون ليس عن اقتناع منكم بذلك ، بل هو حيلة احتلتموها أنتم وموسى قبل أن يلقى كل منكم بسحره ، لكي تخرجوا من مصر أهلها الشرعيين ، وتخلص لكم ولبنى إسرائيل . وغرضه من هذا القول إفهام قبط مصر أن إيمان السحرة كان عن تواطؤ مع موسى ، وأنهم يهدفون من وراء ذلك إلى إخراجهم من أوطانهم ، فعليهم . - أي القبط - أن يستمسكوا بدينهم وأن يعلنوا عداوتهم لموسى وللسحرة ولبنى إسرائيل . ولا شك أن هذا لون من الكذب الخبيث أراد من ورائه فرعون صد الناس عن الإيمان بموسى - عليه السلام - . ثم أتبع هذا الاتهام الباطل بالوعيد الشديد فقال : * ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) * أي : فسوف تعلمون عاقبة ما فعلتم . ثم فصل هذا الوعيد بقوله : * ( لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ) * . أي : أقسم لأقطعن من كل شق منكم عضوا مغايرا للآخر ، كاليد من الجانب الأيمن ، والرجل من الجانب الأيسر ، ثم لأصلبنكم أجمعين تفضيحا لكم ، وتنكيلا لأمثالكم . ومع أن