تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
يحذرون الناس من السير في طريقه ، ويحكى القرآن ذلك بأسلوبه الحكيم فيقول : * ( وقالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِه ، لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ) * . أي : قال الأشراف الكافرون من قوم شعيب لغيرهم : * ( لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ) * لشرفكم ومجدكم ، بإيثار ملته على ملة آبائكم وأجدادكم ، وخاسرون لثروتكم وربحكم المادي . لأن اتباعكم له سيحول بينكم وبين التطفيف في الكيل والميزان وهو مدار غناكم واتساع أموالكم . وقولهم هذا يقصدون به تنفير الناس من دعوة شعيب ، وتثبيطهم عن الإيمان به ، وإغرائهم بالبقاء على عقائدهم الباطلة ، وتقاليدهم البالية التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم ، فهم لم يكتفوا بضلالهم في أنفسهم ، بل عملوا على إضلال غيرهم . وقولهم هذا معطوف على قوله - تعالى - فيما سبق : قالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِه . وليس ردا على شعيب ، لأنه لو كان كذلك لجاء مفصولا بدون عطف ، وقد أكدوا قولهم بعدة مؤكدات منها اللام الموطئة للقسم ، والجملة الاسمية المصدرة بأن . وذلك لكي يخدعوا السامعين بأنهم ما يريدون إلا خيرهم وعدم خسرانهم . وحذف متعلق الخسران ليعم كل أنواعه الدينية والدنيوية . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أين جواب القسم الذي وطأته اللام في قوله : * ( لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ ) * وجواب الشرط ؟ قلت : قوله : * ( إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ) * ساد مسد الجوابين « « 1 » . وبعد هذه المحاورات والمجادلات التي دارت بين شعيب وقومه ، جاءت الخاتمة التي حكاها القرآن في قوله : * ( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ) * . أي : فأخذتهم الزلزلة الشديدة فأصبحوا في دارهم هامدين صرعى لا حراك بهم . قال ابن كثير ما ملخصه : أخبر - سبحانه - هنا بأنهم أخذتهم الرجفة ، كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء ، كما أخبر عنهم في سورة هود بأنهم أخذتهم الصيحة ، والمناسبة هناك - واللَّه أعلم - أنهم لما تهكموا به في قولهم : يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ فجاءت الصيحة فأسكتتهم . وقال في سورة الشعراء : فَكَذَّبُوه فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ فأخبر - سبحانه - أنهم أصابهم عذاب يوم الظلة ، وقد اجتمع عليهم ذلك كله ، أصابهم عذاب يوم الظلة . وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 131 .