تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
* ( إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّه مِنْها ) * وهو يريد عودة قومه ، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئا من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب « 1 » . هذا هو الجواب الذي اختاره الزمخشري وتبعه فيه بعض العلماء ، وهناك أجوبة أخرى ذكرها المفسرون ومنها : 1 - أن هذا القول جار على ظنهم أنه كان في ملتهم ، لسكوته قبل البعثة عن الإنكار عليهم . 2 - أنه صدر عن رؤسائهم تلبيسا على الناس وإيهاما لهم بأنه كان على دينهم وما صدر عن شعيب - عليه السلام - كان على طريق المشاكلة . 3 - أن قولهم : * ( أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) * بمعنى : أو لتصيرن ، إذ كثيرا ما يرد « عاد » بمعنى « صار » فيعمل عمل كان . ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة ، بل عكس ذلك ، وهو الانتقال من حال سابقة إلى حال مؤتنفة ، وكأنهم قالوا لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن كفارا مثلنا » . قال الإمام الرازي : تقول العرب : قد عاد إلى فلان مكره ، يريدون : قد صار منه المكر ابتداء . وقال صاحب الانتصاف : إنه يسلم استعمال « العود » بمعنى الرجوع إلى أمر سابق ، ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله - تعالى - : اللَّه وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ . والإخراج يستدعى دخولا سابقا فيما وقع الإخراج منه . ونحن نعلم أن المؤمن الناشئ في الإيمان لم يدخل قط في ظلمة الكفر ، ولا كان فيها . وكذلك الكافر الأصلي ، لم يدخل قط في نور الإيمان ولا كان فيه ، ولكن لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الاختيارية التي خلق اللَّه العبد متيسرا لكل واحد منهما متمكنا منه لو أراده ، فعبر عن تمكن المؤمن من الكفر ثم عدوله إلى الإيمان ، إخبارا بالإخراج من الظلمات إلى النور توفيقا من اللَّه له ، ولطفا به ، وبالعكس في حق الكافر وفائدة اختياره في هذه المواضع ، تحقيق التمكن والاختيار لإقامة حجة اللَّه على عباده « « 2 » . هذه بعض الأجوبة التي أجاب بها العلماء على قول قوم شعيب * ( أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) * ولعل أرجحها هو الرأي الذي اختاره صاحب الكشاف « لبعده عن التكلف ، واتساقه مع رد شعيب عليهم » . فقد قال لهم :
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 129 . ( 2 ) الانتصاف على الكشاف ج 2 ص 129 .