تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
* ( أَولَوْ كُنَّا كارِهِينَ ) * . أي : أتجبروننا على العودة إلى ملتكم حتى ولو كنا كارهين لها ، لاعتقادنا أنها باطلة وقبيحة ومنافية للعقول السليمة والأخلاق المستقيمة لا . لن نعود إليها بأي حال من الأحوال . فالهمزة لإنكار الوقوع ونفيه ، والتعجيب من أحوالهم الغريبة حيث جهلوا أن الدخول في العقائد اختياري محض ولا ينفع فيه الإجبار أو الإكراه . ثم صارحهم برفضه التام لما يتوهمونه من العودة إلى ملتهم فقال : * ( قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّه كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّه مِنْها ) * . أي : قد اختلقنا على اللَّه - تعالى - أشنع أنواع الكذب إن عدنا في ملتكم الباطلة بعد إذ نجانا اللَّه بهدايتنا إلى الدين الحق وتنزيهنا عن الإشراك به - سبحانه - . قال صاحب المنار : وهذا كلام مستأنف لبيان أهم الأمرين بالرفض والكراهية ، وهو إنشاء في صورة الخبر . فإما أن يكون تأكيدا قسميا لرفض دعوة الملأ إياهم إلى العودة في ملتهم ، كما يقول القائل : برئت من الذمة إن فعلت كذا ، فيكون مقابلة لقسمهم بقسم أعرق منه في التوكيد وإما أن يكون تعجبا خرج لا على مقتضى الظاهر ، وأكد بقد والفعل الماضي ، والمعنى ما أعظم افتراءنا على اللَّه - تعالى - إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اللَّه منها وهدانا إلى صراطه المستقيم « « 1 » . ثم كرر هذا الرفض بأبلغ وجه فقال : * ( وما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ) * أي ما يصح لنا ولا يتأتى منا أن نعود في ملتكم الباطلة في حال من الأحوال أو في وقت من الأقوات إلا في حال أو في وقت مشيئة اللَّه - المتصرف في جميع الشؤون - عودتنا إليها ، فهو وحده القادر على ذلك ولا يقدر عليه غيره لا أنتم ولا نحن ، لأننا موقنون بأن ملتكم باطلة وملتنا هي الحق والموقن لا يستطيع إزالة يقينه ولا تغييره وإنما ذلك بيد مقلب القلوب ، الذي وسع علمه كل شيء . وهذا اللون من الأدب العالي ، حكاه القرآن عن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في مخاطبتهم ، فأنت ترى أن شعيبا - عليه السلام - مع ثقته المطلقة في أنه لن يعود هو وأتباعه إلى ملة الكفر أبدا ، مع ذلك هو يفوض الأمر إلى اللَّه تأدبا معه ، فلا يجزم بمشيئته هو ، بل يترك الأمر للَّه ، فقد يكون في علمه سبحانه ما يخفى على البشر ، مما تقتضيه حكمته وإرادته . قال صاحب الانتصاف : « وموقع قوله : * ( وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ) * الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة ، والاطلاع على الأمور الغائبة ، فإن العود إلى الكفر جائز في قدرة اللَّه أن يقع من العبد : ولو وقع فبقدرة اللَّه ومشيئته المغيبة عن خلقه . فالحذر قائم ، والخوف لازم ، ونظيره
هامش
( 1 ) تفسير المنار ج 9 ص 5 .