تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
وقوله : توعدون . وتصدون ، وتبغون هذه الجمل أحوال ، أي : لا تقعدوا موعدين وصادين ، وباغين ، ولم يذكر الموعد به لتذهب النفس فيه كل مذهب ، ثم ذكرهم شعيب بنعم اللَّه عليهم فقال : * ( واذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ) * أي : اذكروا ذلك الزمن الذي كنتم فيه قليلي العدد فكثركم اللَّه بأن جعلكم موفورى العدد ، وكنتم في قلة من الأموال فأفاضها اللَّه بين أيديكم ، فمن الواجب عليكم أن تشكروه على هذه النعم ، وأن تفردوه بالعبادة والطاعة ثم اتبع هذا التذكير بالنعم بالتخويف من عواقب الإفساد فقال : * ( وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) * أي : انظروا نظر تأمل واعتبار كيف كانت عاقبة المفسدين من الأمم الخالية ، والقرون الماضية ، كقوم لوط وقوم صالح ، فسترون أنهم قد دمروا تدميرا بسبب إفسادهم في الأرض ، وتكذيبهم لرسلهم فَاتَّقُوا اللَّه وأَطِيعُونِ . ولا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ لأن سيركم على طريقهم سيؤدي بكم إلى الدمار . ثم نصحهم بأن يأخذوا أنفسهم بشيء من العدل وسعة الصدر ، وأن يتركوا أتباعه أحرارا في عقيدتهم حتى يحكم اللَّه بين الفريقين ، فقال : * ( وإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِه ، وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا ، فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّه بَيْنَنا وهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) * . أي : إن كان بعضكم قد آمن بما أرسلني اللَّه به إليكم من التوحيد وحسن الأخلاق ، وبعضكم لم يؤمن بما أرسلت به بل أصر على شركه وعناده ، فتربصوا وانتظروا حتى يحكم اللَّه بيننا وبينكم بحكمه العادل ، الذي يتجلى في نصرة المؤمنين ، وإهلاك الظالمين ، وهو - سبحانه - خير الحاكمين . قال صاحب الكشاف : وهذا وعيد للكافرين بانتقام اللَّه منهم ، كقوله : فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ أو هو عظة للمؤمنين وحث على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم اللَّه بينهم وينتقم لهم منهم . ويجوز أن يكون خطابا للفريقين . أي : ليصبر المؤمنون على أذى الكفار ، وليصبر الكفار على ما يسوءهم من إيمان من آمن حتى يحكم اللَّه فيميز الخبيث من الطيب « 1 » » . وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حكت لنا جانبا من الحجج الناصعة ، والنصائح الحكيمة ، والتوجيهات الرشيدة التي وجهها شعيب - خطيب الأنبياء - إلى قومه . وارجع البصر - أيها القارئ الكريم - في هذه النصائح ترى شعيبا - عليه السلام - يأمر قومه بوحدانية اللَّه لأنها أساس العقيدة وركن الدين الأعظم ، ثم يتبع ذلك بمعالجة الجرائم التي
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 128 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 322 | سيد محمد طنطاوي