تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
للمعاصي والجرائم التي من أبرزها عقر الناقة ، فهم قد فعلوا ما فعلوا عن تعمد وإصرار على ارتكاب المنكر . ثم لم يكتفوا بكل هذا ، بل قالوا لنبيهم في سفاهة وتطاول : * ( يا صالِحُ ائْتِنا ، بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) * . نادوه باسمه تهوينا لشأنه ، وتعريضا بما يظنون من عجزه وقالوا له على سبيل تعجل العذاب الذي توعدهم به إذا استمروا في طغيانهم ائتنا بما توعدتنا به إن كنت صادقا في رسالتك . ولقد كان رد القدر على تبجحهم وعتوهم واستكبارهم سريعا قال - تعالى - * ( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ) * : الرجفة : الزلزلة الشديدة . يقال : رجفت الأرض ترجف رجفا ، إذا اضطربت وزلزلت ومنه الرجفان للاضطراب الشديد . وجاثمين : من الجثوم وهو للناس والطير بمنزلة البروك للإبل ، يقال جثم الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم إذا وقع على صدره أو لزم مكانه فلم يبرحه . والمعنى : فأخذت أولئك المستكبرين الرجفة ، أي : الزلزلة الشديدة فأهلكتهم ، فأصبحوا في بلادهم أو مساكنهم باركين على الركب ، ساقطين على وجوههم ، هامدين لا يتحركون . وما ظلمهم اللَّه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . ويتركهم القرآن على هيئتهم جاثمين ، ليتحدث عن نبيهم صالح الذي كذبوه فيقول : * ( فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ ولكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ) * . أي : فأعرض عنهم نبيهم صالح ، ونفض يديه منهم ، وتركهم للمصير الذي جلبوه على أنفسهم ، وأخذ يقول متحسرا على ما فاتهم من الإيمان : يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي كاملة غير منقوصة ، ونصحت لكم بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى ، ولكن كان شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين وعداوتهم » . هذا وقد وردت أحاديث تصرح بأن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد مر على ديار ثمود المعروفة الآن بمدائن صالح وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع من الهجرة ، فأمر أصحابه أن يدخلوها خاشعين وجلين كراهة أن يصيبهم ما أصاب أهلها ، ونهاهم عن أن يشربوا من مائها . روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال : نزل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالناس عام تبوك ، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستسقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا