ثم أرشدهم إلى ما يجب عليهم نحوها فقال : * ( فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّه ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * .
أي اتركوا الناقة حرة طليقة تأكل في أرض اللَّه التي لا يملكها أحد سواه ولا تعتدوا عليها بأي لون من ألوان الاعتداء ، لأنكم لو فعلتم ذلك أصابكم عذاب أليم .
والفاء في قوله : * ( فَذَرُوها ) * للتفريع على كونها آية من آيات اللَّه ، فيجب إكرامها وعدم التعرض لها بسوء . و * ( تَأْكُلْ ) * مجزوم في جواب الأمر .
وأضيفت الأرض إلى اللَّه - أيضا - قطعا لعذرهم في التعرض لها ، فكأنه يقول لهم ، الأرض أرض اللَّه والناقة ناقته ، فذروها تأكل في أرضه لأنها ليست لكم ، وليس ما فيها من عشب ونبات من صنعكم ، فأي عذر لكم في التعرض لها ؟
وفي نهيهم عن أن يمسوها بسوء تنبيه بالأدنى على الأعلى ، لأنه إذا كان قد نهاهم عن مسها بسوء إكراما لها فنهيهم عن نحرها أو عقرها أو منعها من الكلأ والماء من باب أولى . فالجملة الكريمة وعيد شديد لمن يمسها بسوء .
وقوله : * ( فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * الفعل المضارع منصوب في جواب النهى .
وبعد أن بين لهم صالح - عليه السلام - وظيفته ، وكشف لهم عن معجزته ، وأنذرهم بسوء العاقبة إذا ما خالفوا أمره ، أخذ في تذكيرهم بنعم اللَّه عليهم . وبمصائر الماضين قبلهم .
فقال - كما حكى القرآن عنه - : * ( واذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ ) * .
أي : واذكروا بتدبر واتعاظ نعم اللَّه عليكم حيث جعلكم خلفاء لقبيلة عاد في الحضارة والعمران والقوة والبأس ، بعد أن أهلكهم اللَّه بسبب طغيانهم وشركهم .
وقوله : * ( وبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ ) * أي : أنزلكم فيها وجعلها مباءة ومساكن لكم . يقال : بوأه منزلا ، أي : أنزله وهيأه له ومكن له فيه .
والمراد بالأرض : أرض الحجر التي كانوا يسكنونها وهي بين الحجاز والشام ، تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا .
السهول : الأراضي السهلة المنبسطة . والجبال : الأماكن المتحجرة المرتفعة .
أي أنزلكم في أرض الحجر ، ويسر لكم أن تتخذوا من سهولها قصورا جميلة ، ودورا عالية ، ومن جبالها بيوتا تسكنونها بعد نحتكم إياها .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 310
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣١٠