تنوع معاني ما أرسل - عليه السلام - به من العبادات والمعاملات - أو أنه أراد رسالته ورسالة غيره ممن قبله من الأنبياء كإدريس - عليه السلام - ) « 1 » والجملة الكريمة مستأنفة لتقرير رسالته وتقرير أحكامها .
وثالثها : قوله : * ( وأَنْصَحُ لَكُمْ ) * أي : أبلغكم جميع تكاليف اللَّه وأتحرى ما فيه صلاحكم وخيركم فأرشدكم إليه وآخذكم نحوه .
وأنصح : مأخوذ من النصح - وهو كما قال القرطبي - إخلاص النية من شوائب الفساد ، يقال : نصحته ونصحت له نصيحة ونصاحة - أي أرشدته إلى ما فيه صلاحه - ويقال : رجل ناصح الجيب ، أي : نقى القلب . والناصح الخالص من العسل وغيره ، مثل الناصع . وكل شيء خلص فقد نصح « 2 » .
والفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصح ، هو أن تبليغ الرسالة معناه أن يعرفهم جميع أوامر اللَّه ونواهيه وجميع أنواع التكاليف التي كلفهم اللَّه بها ، وأما النصح فمعناه أن يرغبهم في قبول تلك الأوامر والنواهي والعبادات ويحذرهم من عذاب اللَّه إن عصوه .
وأما الصفة الرابعة فهي قوله : * ( وأَعْلَمُ مِنَ اللَّه ما لا تَعْلَمُونَ ) * أي : أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم عن إخلاص ، وأعلم في الوقت نفسه من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا عن طريق الوحي أشياء لا علم لكم بها ، لأن اللَّه قد خصني بها .
أو المعنى : وأعلم من قدرة اللَّه الباهرة ، وشدة بطشه على أعدائه ، ما لا تعلمونه فأنا أحذركم عن علم ، وأنذركم عن بينة فَاتَّقُوا اللَّه وأَطِيعُونِ .
قال ابن كثير : وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغا نصيحا عالما باللَّه لا يدركه أحد من خلق اللَّه في هذه الصفات كما جاء في صحيح مسلم أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعا : « أيها الناس ، إنكم مسؤولون عنى ، فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت . فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ، ويقول :
اللهم اشهد ، اللهم اشهد « 3 » .
وبعد أن وصف نوح نفسه بتلك الصفات الأربع ، وبين لهم وظيفته أكمل بيان أخذ ينكر عليهم استبعادهم أن يخصه اللَّه بالنبوة فقال :
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 8 ص 152 .
( 2 ) تفسير القرطبي ج 7 ص 234 .
( 3 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 223 .