تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من المحرمات التي نهى عباده عن اقترافها فقال تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 33 ] قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وما بَطَنَ والإِثْمَ والْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّه ما لَمْ يُنَزِّلْ بِه سُلْطاناً وأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّه ما لا تَعْلَمُونَ ( 33 ) والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الذين ضيقوا على أنفسهم ما وسعه اللَّه ، قل لهم : إن ما حرمه اللَّه عليكم في كتبه وعلى ألسنة رسله هو هذه الأنواع الخمس التي أولها * ( الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وما بَطَنَ ) * ، أي : ما كان قبيحا من الأقوال والأفعال سواء أكان في السر أو العلن ، وثانيها وثالثها * ( الإِثْمَ والْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) * والإثم : هو الشيء القبيح الذي فعله يعتبر معصية ، والبغي : هو الظلم والتطاول على الناس وتجاوز الحد . قال الإمام ابن كثير : « وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه ، والبغي هو التعدي على الناس ، فحرم اللَّه هذا وهذا » « 1 » . وقيد البغي بكونه بغير الحق ، لأنه لا يكون إلا كذلك . إذ معناه في اللغة تجاوز الحد . يقال : بغى الجرح . إذ تجاوز الحد في فساده . وقيل قيده بذلك ليخرج البغي على الغير في مقابلة بغيه ، فإنه يسمى بغيا في الجملة . لكنه بحق ، وهو قول ضعيف لأن دفع البغي لا يسمى بغيا ، وإنما يسمى انتصافا من الظالم ، ولذا قال القرآن : ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِه فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ . وقيل إن القيد هنا لإخراج الأمور التي ليس لهم فيها حقوق ، أو التي تطيب أنفسهم فيها عن بعض حقوقهم فيبذلونها عن رضى وارتياح لمنفعة أو مصلحة لهم يرجونها ببذلها . ورابع الأمور التي حرمها اللَّه أخبر عنه القرآن بقوله : * ( وأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّه ما لَمْ يُنَزِّلْ بِه سُلْطاناً ) * . أي : وحرم عليكم أن تجعلوا للَّه شركاء في عبادته بدون حجة وبرهان . وقوله : * ( ما لَمْ يُنَزِّلْ بِه سُلْطاناً ) * بيان للواقع من شركهم ، إذ أنهم لا حجة عندهم على شركهم : لا من العقل ولا من النقل ، فالجملة الكريمة قد اشتملت على التهكم بالمشركين وتوبيخهم على كفرهم .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 122 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 266 | سيد محمد طنطاوي