تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
وقد كان السلف الصالح يقفون بين يدي اللَّه في عبادتهم وهم في أكمل زينة ، فهذا - مثلا - الإمام الحسن بن علي ، كان إذا قام إلى الصلاة لبس أحسن ثيابه فقيل له يا ابن بنت رسول اللَّه لم تلبس أجمل ثيابك ؟ فقال : إن اللَّه جميل يحب الجمال ، فأنا أتجمل لربي ، لأنه هو القائل : * ( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) * « 1 » . وقال الكلبي : « كانت بنو عامر لا يأكلون في أيام حجهم إلا قوتا ولا يأكلون لحما ولا دسما يعظمون بذلك حجهم ، فهم المسلمون أن يفعلوا كفعلهم فأنزل - تعالى - : * ( وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا ) * . فهذه الآية الكريمة تهدى الناس إلى ما يصلح معاشهم ومعادهم ، إذ أنها أباحت للمسلم أن يتمتع بالطيبات التي أحلها اللَّه ، ولكن بدون إسراف أو بطر ، ولذا جاء الرد على المتنطعين الذين يضيقون على أنفسهم ما وسعه اللَّه في قوله - تعالى - بعد ذلك : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 32 ] قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِه والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 32 ) أي : قل يا محمد لأولئك الذين يطوفون بالبيت عرايا ، ويمتنعون عن أكل الطيبات : من أين أتيتم بهذا الحكم الذي عن طريقه حرمتم على أنفسكم بعض ما أحله اللَّه لعباده ؟ فالاستفهام لإنكار ما هم عليه بأبلغ وجه . ثم أمر رسوله أن يرد عليهم بأبلغ رد فقال : * ( قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * . أي : قل أيها الرسول لأمتك : هذه الزينة والطيبات من الرزق ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا ، ويشاركهم فيها المشركون أيضا ، أما في الآخرة فهي خالصة للمؤمنين ولا يشاركهم فيها أحد ممن أشرك مع اللَّه آلهة أخرى . وقوله - تعالى - : * ( كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) * معناه : مثل تفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام لقوم يعلمون ما في تضاعيفها من توجيهات سامية ، وآداب عالية .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 8 ص 108 .