أي : قل يا محمد لهؤلاء المفترين على اللَّه الكذب : إن كلامكم هذا يناقضه العقل والنقل .
أما أن العقل يناقضه ويكذبه . فلأنه لا خلاف بيننا وبينكم في أن ما تفعلونه هو من أقبح القبائح بدليل أن بعضكم قد تنزه عن فعله ، وأما أن النقل يناقضه ويكذبه فلأنه لم يثبت عن طريق الوحي أن اللَّه أمر بهذا ، بل الثابت أن اللَّه لا يأمر به ، لأن الفاحشة في ذاتها تجاوز لحدود اللَّه ، وانتهاك لحرماته ، فهل من المعقول أن يأمر اللَّه بانتهاك حدوده وحرماته ؟ والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( أَتَقُولُونَ ) * للإنكار والتوبيخ وفيه معنى النهى .
ثم بين - سبحانه - ما أمر به من طاعات عقب تكذيبه للمشركين فيما افتروه فقال :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 29 إلى 30 ]
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوه مُخْلِصِينَ لَه الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) فَرِيقاً هَدى وفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّه ويَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 30 )
أي : قل لهم يا محمد إن الذي أمر اللَّه به هو العدل في الأمور كلها ، لأنه هو الوسط بين الإفراط والتفريط ، كما أنه - سبحانه - قد أمركم بأن تتوجهوا إليه وحده في كل عبادة من عباداتكم ، وأن تكثروا من التضرع إليه بخالص الدعاء وصالحه ، فإنه مخ العبادة .
ثم ذكرهم - سبحانه - بمبدئهم ونهايتهم فقال : * ( كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ) * .
أي : أن الذي قدر على ابتدائكم وإنشائكم ولم تكونوا شيئا ، يقدر على إعادتكم ليجازيكم على أعمالكم ، فأخلصوا له العبادة والطاعة .
قال صاحب المنار : « وهذه الجملة من أبلغ الكلام الموجز المعجز فإنها دعوى متضمنة الدليل ، بتشبيه الإعادة بالبدء فهو يقول : كما بدأكم ربكم خلقا وتكوينا بقدرته تعودون إليه يوم القيامة حالة كونكم فريقين ، فريقا هداهم في الدنيا فاهتدوا بإيمانهم به وإقامة وجوههم له وحده في العبادة ودعائه مخلصين له الدين ، وفريقا حق عليهم الضلالة لاتباعهم إغواء الشيطان ، وإعراضهم عن طاعة الرحمن ، وكل فريق يموت على ما عاش ويبعث على ما مات عليه ، ومعنى حقت عليهم الضلالة ، ثبتت بثبوت أسبابها الكسبية ، لا أنها جعلت غريزة لهم
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 263
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢٦٣