تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 27 ] يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّه يَراكُمْ هُوَ وقَبِيلُه مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 27 ) والمعنى : يا بني آدم لا يصرفنكم الشيطان عن طاعة اللَّه ، بأن تمكنوه من أن يوقعكم في المعاصي كما أوقع أبويكم من قبل فيها ، فكان ذلك سببا في خروجهما من الجنة التي كانا يتمتعان بنعيمها . وقوله : * ( يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما ) * جملة حالية من أبويكم . أي أخرجهما من الجنة حال كونه نازعا عنهما لباسهما . وأسند النزع إلى الشيطان لأنه كان متسببا فيه . ثم أكد تحذيرهم من الشيطان بجملة تعليلية فقال : * ( إِنَّه يَراكُمْ هُوَ وقَبِيلُه مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) * أي : إن الشيطان وجنوده يرونكم يا بني آدم وأنتم لا ترونهم ، فالجملة الكريمة تعليل للنهي السابق . وهو قوله : * ( لا يَفْتِنَنَّكُمُ ) * وتأكيد للتحذير ، لأن العدو إذا أتى من حيث لا يرى كان أشد وأخوف ، ولذا قال مالك بن دينار : « إن عدوا يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا على من عصمه اللَّه » . وقوله : * ( وقَبِيلُه ) * معطوف على الضمير المستتر في قوله : * ( يَراكُمْ ) * المؤكد بقوله : * ( هُوَ ) * . قال الآلوسي ما ملخصه : والقضية مطلقة لا دائمة ، فلا تدل على ما ذهب إليه المعتزلة من أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس أصلا ولا يتمثلون . ويشهد لما قلنا ما صح من رؤية النبي صلى اللَّه عليه وسلم لأحدهم حين رام أن يشغله عن الصلاة فأمكنه اللَّه منه ، وأراد أن يربطه في سارية من سواري المسجد ثم ذكر دعوة سليمان في قوله : رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فتركه « 1 » . ثم بين - سبحانه - سنته في خلقه فقال : * ( إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) * . أي : إنا صيرنا الشياطين قرناء للذين لا يؤمنون ، مسلطين عليهم ، متمكنين من إغوائهم ، لأن حكمتنا اقتضت أن يكون الشياطين الذين هم شرار الجن ، متجانسين مع الكافرين الذين هم شرار الإنس .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 9 ص 105 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 261 | سيد محمد طنطاوي