تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
لشركائهم . فأولى بكم ثم أولى أن تضحوا في سبيل عقيدتكم الصحيحة ، وملتكم الحنيفة السمحاء بالأنفس والأموال . هذا وقد عقب القرآن بعد إيراده لتلك الرذائل بقوله . * ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّه افْتِراءً عَلَى اللَّه ) * . قال الإمام ابن كثير : قد خسر الذين فعلوا هذه الأفاعيل في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم ، وضيقوا على أنفسهم في أموالهم ، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم . وأما في الآخرة فيصيرون إلى أسوأ المنازل بكذبهم على اللَّه وافترائهم « « 1 » . والتعبير بخسر بدون ذكر مفعول معين يقع عليه الفعل للإشارة إلى أن خسارتهم خسارة مطلقة من أي تحديد ، فهي خسارة دينية وخسارة دنيوية - كما قال ابن كثير . وقرأ ابن عامر قتلوا بالتشديد . أي : فعلوا ذلك كثيرا ، إذ التضعيف يفيد التكثير . و * ( سَفَهاً ) * منصوب على أنه علة لقتلوا أي : لخفة عقولهم وجهلهم قتلوا أولادهم . أو منصوب على أنه حال من الفاعل في قتلوا وهو ضمير الجماعة . والسفه : خفة في النفس لنقصان العقل في أمور الدنيا أو الدين . وقوله * ( وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّه ) * أي من البحائر والسوائب ونحوهما ، وهو معطوف على * ( قَتَلُوا ) * . ثم بين - سبحانه - نتيجة ذلك القتل والتحريم فقال : * ( قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ ) * أي : قد ضلوا عن الصراط المستقيم بأقوالهم وأفعالهم القبيحة وما كانوا مهتدين إلى الحق والصواب . قال الشهاب ، وفي قوله * ( وما كانُوا مُهْتَدِينَ ) * بعد قوله * ( قَدْ ضَلُّوا ) * مبالغة في نفى الهداية عنهم ، لأن صيغة الفعل تقتضي حدوث الضلال بعد أن لم يكن . فلذا أردف بهذه الحال لبيان عراقتهم في الضلال ، وإنما ضلالهم الحادث ظلمات بعضها فوق بعض « « 2 » . روى البخاري عن ابن عباس قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام * ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّه افْتِراءً عَلَى اللَّه قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ ) * « 3 » .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 181 . ( 2 ) تفسير القاسمي ج 6 ص 2524 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 181 .