تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
أحدها : أن التاء قيد للمبالغة في الوصف كراوية وداهية فلا يقال إنه غير مطابق للمبتدأ على القول بأنه خبر . وثانيا : أن المبتدأ وهو * ( ما فِي بُطُونِ هذِه الأَنْعامِ ) * مذكر اللفظ مؤنث المعنى ، لأن المراد به الأجنة فيجوز تذكير خبره باعتبار اللفظ وتأنيثه باعتبار المعنى . وثالثها : أنه مصدر فتكون العبارة مثل قولهم : عطاؤك عافية والمطر رحمة والرخصة نعمة . ورابعها : أنه مصدر مؤكد أو حال من المستكن في الظرف وخبر المبتدأ * ( لِذُكُورِنا ) * « 1 » . وقوله : * ( سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّه حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) * تهديد لهم أي : سيجزيهم بما هم أهله من العذاب المهين جزاء وصفهم أو بسبب وصفهم الكذب على اللَّه في أمر التحليل والتحريم على سبيل التحكم والتهجم بالباطل على شرعه . إنه - سبحانه - حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه ، عليم بأعمال عباده من خير أو شر وسيجازيهم عليها . قال الآلوسي : ونصب * ( وَصْفَهُمْ ) * - على ما ذهب إليه الزجاج - لوقوعه موقع مصدر * ( سَيَجْزِيهِمْ ) * فالكلام على تقدير مضاف . أي : جزاء وصفهم . وقيل : التقدير . سيجزيهم العقاب بوصفهم أي : بسببه فلما سقطت الباء نصب وصفهم . ثم قال : وهذا كما قال بعض المحققين من بليغ الكلام وبديعه ، فإنهم يقولون ، كلامه يصف الكذب إذا كذب ، وعينه تصف السحر ، أي ساحرة ، وقد يصف الرشاقة ، بمعنى رشيق . مبالغة ، حتى كأن من سمعه أو رآه وصف له ذلك بما يشرحه له « « 2 » . وإلى هنا تكون الآيات الأربعة التي بدأت بقوله - تعالى * ( وجَعَلُوا لِلَّه مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ والأَنْعامِ نَصِيباً ) * . . إلخ . قد قصت علينا أربع رذائل من أفعال المشركين وأقوالهم . وإن العاقل ليعجب وهو يستعرض هذه الضلالات - التي حكتها الآيات . يعجب لما تحملوه في سبيل ضلالاتهم من أعباء مادية وخسائر وتضحيات ، يعجب للعقيدة الفاسدة وكيف تكلف أصحابها الكثير ومع ذلك فهم مصرون على اعتناقها ، وعلى التقيد بأغلالها ، وأوهامها ، وتبعاتها . لكأن القرآن وهو يحكى تلك الرذائل وما تحمله أصحابها في سبيلها يقول لأتباعه - من بين ما يقول - إذا كان أصحاب العقائد الفاسدة قد ضحوا حتى بفلذات أكبادهم إرضاء
هامش
( 1 ) تفسير المنار ج 8 ص 129 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 8 ص 26 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 191 | سيد محمد طنطاوي