تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
وقوله * ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ) * أي : أعلم منك يا محمد ومن كل مخلوق بالمتجاوزين لحدود الحق إلى الباطل والحلال والحرام . ففي الجملة الكريمة التفات عن خطاب المؤمنين إلى خطاب الرسول صلى اللَّه عليه وسلم . قال الإمام الرازي : وقد دلت هذا الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد حرام ، لأن القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة ، والآية دلت على أن ذلك حرام « 1 » . ثم أمر اللَّه عباده أن يتركوا ما ظهر من الآثام وما استتر فقال : * ( وذَرُوا ظاهِرَ الإِثْمِ وباطِنَه ) * أي اتركوا جميع المعاصي ما كان منها سرا وما كان منها علانية ، أو ما كان منها بالجوارح وما كان منها بالقلوب ، لأن اللَّه - تعالى - لا يخفى عليه شيء . ثم بين - سبحانه - عاقبة المرتكبين للآثام فقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ) * أي : إن الذين يعملون المعاصي ويرتكبون القبائح الظاهرة والباطنة لن ينجو من المحاسبة والمؤاخذة بل سيجزون بما يستحقونه من عقوبات بسبب اجتراحهم للسيئات . وبعد أن أمر اللَّه المؤمنين بالأكل مما ذكر اسم اللَّه عليه ، نهاهم صراحة عن الأكل مما لم يذكر اسم اللَّه عليه لشدة العناية بهذا الأمر فقال - تعالى - : * ( ولا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّه عَلَيْه ) * أي : لا تأكلوا أيها المسلمون من أي حيوان لم يذكر عليه اسم اللَّه عند ذبحه ، بأن ذكر عليه اسم غيره ، أو ذكر اسم مع اسمه - تعالى - ، أو غير ذلك مما سبق بيانه من المحرمات . وقوله * ( وإِنَّه لَفِسْقٌ ) * جملة حالية والضمير يعود على الأكل من الذي لم يذكر اسم اللَّه عليه ، أي : وإن الأكل من ذلك الحيوان المذبوح الذي لم يذكر اسم اللَّه عليه لخروج عن طاعة اللَّه - تعالى - وابتعاد عن الفعل الحسن إلى الفعل القبيح ، وفي ذلك ما فيه من تنفيرهم من أكل ما لم يذكر اسم اللَّه عليه . ثم كشف للمسلمين عن المصدر الذي يمد المشركين بمادة الجدل حول هذه المسألة فقال : * ( وإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ ) * . أي : وإن إبليس وجنوده ليوسوسون إلى أوليائهم الذين اتبعوهم من المشركين ليجادلوكم في تحليل الميتة وفي غير ذلك من الشبهات الباطلة * ( وإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ ) * في استحلال ما حرمه اللَّه عليكم * ( إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) * . قال ابن كثير : أي : حيث عدلتم عن أمر اللَّه لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 127 .