تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
فهذا هو الشرك ، كقوله - تعالى - اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّه الآية ، وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدى بن حاتم أنه قال : يا رسول اللَّه ما عبدوهم فقال : « بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم » « 1 » . هذا ، وقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم اللَّه عليها وإن كان الذابح مسلما ، وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال . فمنهم من قال لا تحل الذبيحة التي يترك ذكر اسم اللَّه عليها سواء كان الترك عمدا أو سهوا ، وإلى هذا الرأي ذهب ابن عمر ونافع وعامر والشعبي ومحمد بن سيرين ، وداود الظاهري وفي رواية عن الإمامين مالك وأحمد بن حنبل . واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية التي وصفت ما ذبح ولم يذكر اسم اللَّه عليه بأنه فسق ، كما احتجوا بقوله - تعالى - فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّه عَلَيْه وبالأحاديث التي وردت في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد كحديث عدى بن حاتم وفيه « إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللَّه عليه فكل » « 2 » . وحديث رافع بن خديج وفيه « ما أنهر الدم وذكر اسم اللَّه عليه فكلوه » « 3 » أما القول الثاني فيرى أصحابه أن التسمية ليست شرطا بل هي مستحبة ، وتركها عن عمد أو نسيان لا يضر ، وقد حكى هذا المذهب عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء وهو مذهب الشافعي وأصحابه وفي رواية عن الإمامين مالك وأحمد بن حنبل . وحجتهم أن هذه الآية * ( ولا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّه عَلَيْه . . . ) * واردة فيما ذبح لغير اللَّه بأن يذكر على الذبيحة اسم الصنم كما كان يفعل المشركون عند ذبائحهم . واحتجوا أيضا بما رواه الدّارقطنيّ عن ابن عباس أنه قال : « إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم اللَّه فليأكل فإن المسلم فيه اسم من أسماء اللَّه » « 4 » . أما القول الثالث فيرى أصحابه أن ترك التسمية نسيانا لا يضر ، أما عمدا فلا تحل الذبيحة ، وإلى هذا المذهب ذهب على وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري وهو المشهور من مذهب أحمد بن حنبل وعليه أبو حنيفة وأصحابه .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 171 . ( 2 ) أخرجه البخاري في كتاب « الذبائح والصيد ، حديث رقم 141 طبعة محمد فؤاد عبد الباقي . ( 3 ) أخرجه البخاري في كتاب « الذبائح والصيد » . ( 4 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 169 .