تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
عليهم كل شيء فوجا فوجا ونوعا نوعا من سائر المخلوقات ليشهدوا بصدقك . وجملة * ( ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه ) * جواب لو . أي : لو فعلنا لهم كل ذلك ما كانوا ليؤمنوا في حال من الأحوال بسبب غلوهم في التمرد والعصيان ، إلا في حال مشيئة اللَّه إيمانهم فيؤمنوا ، لأنه - سبحانه - هو القادر على كل شيء . وقوله * ( ولكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ) * . أي : ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أنهم لو أوتوا كل آية لم يؤمنوا فهم لذلك يحلفون الأيمان المغلظة بأنهم لو جاءتهم آية ليؤمنن بها . أو يجهلون أن الإيمان بمشيئة اللَّه لا بخوارق العادات . وقيل الضمير يعود على المؤمنين فيكون المعنى . ولكن أكثر المؤمنين يجهلون عدم إيمان أولئك المشركين عند مجيء الآيات لجهلهم عدم مشيئة اللَّه - تعالى - لإيمانهم ، فيتمنون مجيء الآيات طمعا في إيمانهم . قال الشيخ القاسمي : في قوله * ( إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه ) * حجة واضحة على المعتزلة لدلالته على أن جميع الأشياء بمشيئة اللَّه - تعالى - حتى الإيمان والكفر . وقد اتفق سلف هذه الأمة وحملة شريعتها على أنه « ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لهم يكن » . والمعتزلة يقولون « إلا أن يشاء اللَّه مشيئة قسر وإكراه » « 1 » . ثم سلى اللَّه - تعالى - نبيه عن تعنت المشركين وتماديهم في الباطل ببيان أن كل نبي كان له أعداء يسيئون إليه ويقفون عقبة في طريق دعوته فقال : * ( وكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإِنْسِ والْجِنِّ ) * . والمعنى : ومثل ما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعاندونك جعلنا لكل نبي من قبلك - أيضا - أعداء ، فلا يحزنك ذلك ، قال - تعالى - ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ أَلِيمٍ « 2 » . وقال - تعالى - وكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِياً ونَصِيراً « 3 » . والمراد بشياطين الإنس والجن ، والمردة من النوعين . والشيطان : كل عات متمرد من الإنس والجن .
هامش
( 1 ) تفسير للقاسمي ج 7 ص 2471 . ( 2 ) سورة فصلت الآية 43 . ( 3 ) سورة الفرقان الآية : 31 .