تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
ثم ساق - سبحانه - الأدلة المبطلة لما تفوه به المشركون من مزاعم فقال - تعالى - * ( بَدِيعُ السَّماواتِ والأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَه وَلَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَه صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) * . أي : هو مبدعهما ومنشئهما وخالقهما على غير مثال سبق ، ومنه سميت البدعة بدعة لأنه لا نظير لها فيما سلف . وقوله : * ( أَنَّى يَكُونُ لَه وَلَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَه صاحِبَةٌ ) * أي : من أين وكيف يكون له ولد - كما زعموا - والحال أنه ليس له صاحبة يكون الولد منها ، ويستحيل ضرورة وجود الولد بلا والدة وإن أمكن وجوده بلا والد ، وأيضا الولد لا يحصل إلا بين متجانسين ولا مجانس له - سبحانه - . وجملة * ( أَنَّى يَكُونُ لَه وَلَدٌ ) * مستأنفة لتقرير تنزهه عن ذلك ، وجملة * ( ولَمْ تَكُنْ لَه صاحِبَةٌ ) * حال مؤكدة لاستحالة ما نسبوه إليه من الولد . وقوله * ( وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) * جملة أخرى مستأنفة لتحقيق ما ذكر من الاستحالة ، أو حال ثانيه مقررة لها . أي : كيف يكون له ولد والحال أنه خلق كل شيء انتظمه التكوين والإيجاد من الموجودات التي من جملتها ما سموه ولدا له - تعالى - فكيف يتصور أن يكون المخلوق ولدا لخالقه ؟ قال صاحب الكشاف : « وفي هذه الآية الكريمة إبطال لأن يكون للَّه ولد من ثلاثة أوجه : أحدها : أن مبتدع السماوات والأرض وهي أجسام عظيمة لا يستقيم أن يوصف بالولادة . لأن الولادة من صفات الأجسام ، ومخترع الأجسام لا يكون جسما حتى يكون والدا . والثاني : أن الولادة لا تكون إلا لمن له صاحبة واللَّه - تعالى - لا صاحبة له فلم تصح الولادة . والثالث : أنه ما من شيء إلا وهو خالقه والعالم به ، ومن كان بهذه الصفة كان غنيا عن كل شيء والولد إنما يطلبه المحتاج « 1 » . وجملة * ( وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) * مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعة ببطلان أن يكون له ولد .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 52 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 146 | سيد محمد طنطاوي