تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
فالجواب : أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن وأمرهم لهم بذلك كقوله : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِه إِلَّا إِناثاً وإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً وكقوله أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ، إِنَّه لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ، وأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ وتقول الملائكة يوم القيامة : سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ « 1 » . وقال - سبحانه - * ( وجَعَلُوا لِلَّه شُرَكاءَ الْجِنَّ ) * ولم يقل : وجعلوا الجن شركاء للَّه . لإفادة أن محل الغرابة والنكارة أن يكون للَّه شركاء . ولو قال وجعلوا الجن شركاء للَّه لأوهم أن موضع الإنكار أن يكون الجن شركاء للَّه لكونهم جنا . وليس الأمر كذلك ، بل المنكر أن يكون للَّه شريك من أي جنس كان . وجملة : * ( وخَلَقَهُمْ ) * حال من فاعل * ( جَعَلُوا ) * مؤكدة لما في جعلهم ذلك من كمال القباحة والبطلان . أي : وجعلوا للَّه شركاء الجن والحال أنهم قد علموا أن اللَّه وحده هو الذي خلقهم دون الجن وليس من يخلق كمن لا يخلق ، وعليه فالضمير في خلقهم يعود على المشركين الذين جعلوا للَّه شركاء . وقيل الضمير للشركاء أي : والحال أنهم قد علموا أن اللَّه هو الذي خلق الجن فكيف يجعلون مخلوقه شريكا له ؟ . وقوله * ( وخَرَقُوا لَه بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) * أي : واختلقوا وافتروا له بجهلهم وانطماس بصيرتهم بنين وبنات من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من خطأ أو صواب ، ولكن رميا بقول عن عمى وجهالة من غير فكر وروية . أو بغير علم بمرتبة ما قالوه وأنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادر قدره ، وفيه ذم لهم بأنهم يقولون ما يقولون بمجرد الرأي والهوى وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز أن ينسب إليه - تعالى - إلا ما قام الدليل على صحته . قال الراغب : « أصل الخرق قطع الشيء على سبيل الفساد من غير تدبر ولا تفكر ، قال - تعالى - أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها ، وهو ضد الخلق لأن الخلق هو فعل الشيء بتقدير ورفق » « 2 » . ثم ختمت الآية الكريمة بتنزيه اللَّه - تعالى - عما نسبوه إليه فقال - تعالى - : * ( سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ ) * أي : تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه به هؤلاء الضالون من الأجداد والأولاد والنظراء والشركاء .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 160 ) . ( 2 ) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 146 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 145 | سيد محمد طنطاوي