تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
ولفظ تبسل مأخوذ من السبل بمعنى المنع بالقهر أو التحريم أو الحبس ومنه أسد باسل لمنعه فريسته من الإفلات . وشراب بسيل أي متروك وهذا الشيء بسيل عليك أي محرم عليك . ثم بين - سبحانه - أن هذه النفس المعرضة للحرمان ليس لها ما يدفع عنها السوء فقال : * ( لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّه وَلِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها ) * أي : ليس لهذه النفس من غير اللَّه ناصر ينصرها ولا شفيع يدفع عنها ، ومهما قدمت من فداء فلن يقبل منها ، فالمراد بالعدل هنا الفداء فهو كقوله - تعالى - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً ولَوِ افْتَدى بِه . قال الإمام الرازي : والمقصود من هذه الآية بيان أن وجوه الخلاص على تلك النفس منسدة فلا ولى يتولى دفع ذلك المحذور عنها ، ولا شفيع يشفع فيها ، ولا فدية تقبل منها ليحصل الخلاص بسبب قبولها ، حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب اللَّه لم تنفع . فإذا كانت وجوه الخلاص هي الثلاثة في الدنيا وثبت أنها لا تفيد في الآخرة البتة وظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذي هو الارتهان والاستسلام فليس لها البتة دافع من عذاب اللَّه ، وإذا تصور المرء كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصي اللَّه « « 1 » . ثم بين - سبحانه - عاقبة أولئك الغافلين فقال : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ) * . أي : أولئك الذين أسلموا للهلاك بسبب ما اكتسبوه في الدنيا من أعمال قبيحة لهم شراب من حميم أي من ماء قد بلغ النهاية في الحرارة يتجرجر في بطونهم وتتقطع به أمعاؤهم ، ولهم فوق ذلك عذاب مؤلم بنار تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم ، وما ظلمهم اللَّه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . ثم ساق القرآن صورة منفرة للشرك والمشركين تدعو المؤمنين إلى أن يزدادوا إيمانا على إيمانهم فقال - تعالى - : * ( قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّه ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ) * . قال ابن كثير : قال السدى : قال المشركون للمؤمنين اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد صلى اللَّه عليه وسلم فأنزل اللَّه - عز وجل - * ( قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّه ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا ) * « 2 » . والمعنى : قل يا محمد أو أيها العاقل لهؤلاء المشركين الذين يحاولون رد المسلمين عن الإسلام ، قل لهم : أنعبد من دون اللَّه مالا يقدر على نفعنا إن دعوناه ولا على ضرنا إن تركناه
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 65 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 145 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 103 | سيد محمد طنطاوي