أو قليلا لا يقبل الرضخ - أي العطاء القليل - فالآية على هذا القول محكمة . قاله ابن عباس .
وامتثل ذلك جماعة من التابعين : عروة بن الزبير وغيره . وأمر به أبو موسى الأشعري .
وروى عن ابن عباس انها منسوخة نسخها قوله تعالى : يُوصِيكُمُ اللَّه فِي أَوْلادِكُمْ .
وممن قال إنها منسوخة : أبو مالك وعكرمة والضحاك .
والأول أصح فإنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم ، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم .
وفي البخاري عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : هي محكمة وليست بمنسوخة .
وفي رواية قال : إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت ، لا واللَّه ما نسخت ، ولكنها مما تهاون به الناس » « 1 » .
وقال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قسم ميراث أبيه عبد الرحمن ، وعائشة حية . فلم يدع في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه وتلا هذه الآية : * ( وإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى ) * . . إلخ . « 2 »
والخلاصة ، أن الذي تطمئن إليه النفس هو قول من قال : إن الآية محكمة وليست بمنسوخة ، لأنه أثر عن بعض الصحابة والتابعين أنهم كانوا يفعلون ذلك ويأمرون به . ولأن الروايات القائلة بأنها منسوخة روايات مضطربة ، بخلاف الروايات القائلة بأنها محكمة فهي ثابتة في صحيح البخاري ولأن الآية الكريمة لا تتعارض مع آية المواريث لأنها إنما تأمر بما يؤدى إلى التعاطف والتراحم بين الناس ، وهذا أمر لا ينسخ ، بل هو ثابت في كل زمان ومكان .
ونرى كذلك أن الأمر في قوله * ( فَارْزُقُوهُمْ مِنْه ) * على سبيل الندب والاستحباب ، لا على سبيل الفرض والإيجاب - كما سبق أن بينا - .
ثم أمر اللَّه - تعالى - عباده بتقواه ، وبالتمسك بالأقوال السديدة فقال تعالى :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 9 ]
ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّه ولْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ( 9 )
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 49 .
( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 455 .