يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يبقى من ماله للورثة شيء أصلا . فقيل لهم : كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم في الضعف والجوع من غير مال ، فاخشوا اللَّه ولا تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء من ماله .
وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك ، فلا ترضه لأخيك المسلم . فعن أنس قال : قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » « 1 » .
وقد رجح هذا الوجه الإمام ابن جرير فقال : وأولى التأويلات بالآية قول من قال : تأويل ذلك : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم العيلة لو كانوا فرقوا أموالهم في حياتهم ، أو قسموها وصية منهم لأولى قرابتهم ، وأهل اليتم والمسكنة فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العيلة عليهم من بعدهم ، فليأمروا من حضروه - وهو يوصى لذوي قرابته وفي اليتامى والمساكين وفي غير ذلك - بما له بالعدل ، وليتقوا اللَّه وليقولوا قولا سديدا ، وهو أن يعرفوه ما أباحه اللَّه له من الوصية ، وما اختاره المؤمنون من أهل الإيمان باللَّه وبكتابه وسنته » « 2 » .
والقول الثالث : يرى أصحابه أن الخطاب في الآية للموصين ، وأن الآية تأمرهم بأن يشفقوا على ورثتهم ، فلا يسرفوا في الوصية لغيرهم لأن الإسراف في ذلك يؤدى إلى ترك الورثة فقراء .
ولقد قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص : « إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس » .
والذي نراه أن الأمر بالخشية من اللَّه يتناول جميع الأصناف المتقدمة : من الأوصياء ، وعواد المريض ، والموصين وغيرهم ممن هو أهل لهذا الخطاب لأن هؤلاء جميعا داخلون تحت الأمر بالخشية من اللَّه - تعالى - ، وبالقول السديد الذي يحبه سبحانه ويرضاه .
وقوله تعالى * ( ولْيَخْشَ ) * فعل مضارع مجزوم بلام الأمر . ومفعوله محذوف لتذهب نفس السامع في تقديره كل مذهب ، فينظر كل سامع بحسب الأهم عنده مما يخشى أن يصيب ذريته .
والجملة الشرطية وهي قوله تعالى * ( لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ ) * صلة للموصول وهو قوله * ( الَّذِينَ ) * وجملة * ( خافُوا عَلَيْهِمْ ) * جواب * ( لَوْ ) * .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى وقوع * ( لَوْ تَرَكُوا ) * وجوابه صلة للذين ؟ .
قلت : معناه : وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا من خلفهم ذرية ضعافا - وذلك عند احتضارهم - خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم » « 3 » .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 198 .
( 2 ) تفسير ابن جرير ج 4 ص 272 .
( 3 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 478 .