تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
وأخلاق الأبناء صورة من أخلاق الآباء ، وجميعهم لا يبغون من سؤالهم الاهتداء إلى الحق وإنما يبغون إعنات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - والإساءة إليهم . والفاء في قوله : * ( فَقالُوا أَرِنَا اللَّه جَهْرَةً ) * تفسيرية كما في قولهم : توضأ فغسل وجهه . وقوله : * ( جَهْرَةً ) * من الجهر الذي هو ضد الإخفاء . يقال جهر البئر - كمنع - واجتهرها ، إذا أظهر ماءها . وجهر الشيء : كشفه ، وجهر الرجل : رآه بلا حجاب . أي : أرنا اللَّه جهارا عيانا بحاسة البصر فيكون قوله * ( جَهْرَةً ) * مفعولا مطلقا ، لأن لفظ * ( جَهْرَةً ) * نوع من مطلق الرؤية فيلاقى عامله في الفعل . ويصح أن يكون حالا من المفعول الأول أي : أرنا اللَّه مجاهرين معاينين وقوله : « فأخذتهم الصاعقة بظلمهم » بيان للعقوبة التي حلت بهم نتيجة سوء أدبهم وجرأتهم على خالقهم وعلى أنبيائهم . والصاعقة - كما يقول ابن جرير - : كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه ، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة « 1 » . وقال الراغب : الصاعقة على ثلاثة أوجه : الموت كقوله : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأَرْضِ . والعذاب كقوله : أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ ، والنار كقوله : ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وما ذكره - سبحانه - إنما هي أشياء حاصلة من الصاعقة فإن الصاعقة هي الصوت الشديد في الجو ، ثم يكون منه نار فقط ، أو عذاب ، أو موت ، وهي في ذاتها شيء واحد . وهذه الأشياء تأثيرات منها « 2 » . ويبدو أن المراد بالصاعقة هنا : ذلك الصوت الشديد المجلجل المزلزل المصحوب بنار هائلة ، والذي كان من آثاره أن صعقوا : أي خروا مغشيا عليهم أو هلكوا ، بسبب ظلمهم وعنادهم وفسوقهم عن أمر اللَّه . وقوله : * ( ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً ) * بيان لنوع ثالث من جرائمهم ، ولمظهر من مظاهر رحمة اللَّه بهم . أي : أن هؤلاء الذين سألوا موسى رؤية اللَّه جهرة ، أخذتهم الصاعقة عقوبة لهم على
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 1 ص 290 ( 2 ) المفردات في غريب القرآن ص 281 للراغب الاصفهاني .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 371 | سيد محمد طنطاوي