تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
والتبين والتثبت في القتل واجب حضرا وسفرا . وإنما خص السفر بالذكر لأن الحادثة التي نزلت فيها الآية وقعت في السفر . وقوله * ( ولا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً ) * أي : تأكدوا - أيها المؤمنون - وتثبتوا في كل أحكامكم وأفعالكم ، ولا تقولوا لمن أظهر الانقياد لدعوتكم ودينكم فنطق بالشهادتين أو حياكم بتحية الإسلام . لا تقولوا له لست مؤمنا حقا وإنما قلت ما قلت بلسانك فقط لتأمن القتل . بل الواجب عليكم أن تقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه فإن علم السرائر والبواطن إنما هو للَّه - تعالى - وحده . وجملة * ( لَسْتَ مُؤْمِناً ) * مقول لقوله * ( لا تَقُولُوا ) * : أي لا تنفوا عنه الإيمان وهو يظهره أمامكم وفي هذا من الفقه - كما يقول القرطبي - باب عظيم ، وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر . ولقد كان عمر بن الخطاب - رضى اللَّه عنه - ينهى عن قتل من أعلن الاستسلام ويحذر من يقتله بأنه سيقتله به ، وقد أرسل بذلك إلى قواد جيوشه لأن الذين يقتلون من يطلب الأمان طمعا في ماله لا يكون جهادهم خالصا للَّه ، ولا تكون أعمالهم محل رضا اللَّه - تعالى - ولذا قال - سبحانه - : * ( تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّه مَغانِمُ كَثِيرَةٌ ) * . والابتغاء : الطلب الشديد والرغبة الملحة . وعرض الحياة الدنيا : جميع متاعها وأموالها . وسمى متاع الدنيا عرضا ، لأنه مهما كثر فهو زائل غير دائم ، وعارض غير باق . قال الراغب : والعرض - بفتح الراء والعين - مالا يكون له ثبات . ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر . وقيل : الدنيا عرض حاضر تنبيها على أنه لا ثبات لها « 1 » ، والمغانم : جمع مغنم ويطلق على ما يؤخذ من مال العدو ، من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول . والمعنى : تثبتوا - أيها المؤمنون - في كل أقوالكم وأعمالكم ، ولا تتعجلوا في أحكامكم ، ولا تقولوا لمن حياكم بتحية الإسلام أو نطق بالشهادتين لست مؤمنا ، وإنما فعلت ذلك تقية ثم تقتلونه . مبتغين من وراء قتله متاع الدنيا الزائل ، وعرضها الفاني ، إن هذا المسلك يتنافى مع الإيمان الصادق والجهاد الخالص . ومن كان منكم يريد متاع الدنيا فليطلبه من اللَّه وحده - فإن
هامش
( 1 ) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 331 .