من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا ) * بصيرا * ( 17 ) * من كان
يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم
يصلاها مذموما مدحورا * ( 18 ) * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها
وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا * ( 19 ) * كلا نمد هؤلاء
وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا * ( 20 ) * انظر
كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجت وأكبر
تفضيلا * ( 21 ) * لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا * ( 22 ) *
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسنا إما يبلغن
عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما
وقل لهما قولا كريما * ( 23 ) * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة
وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا * ( 24 ) * ربكم أعلم بما في
نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا * ( 25 ) *
وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا * ( 26 ) *
إن المبذرين كانوا إخوان الشيطين وكان الشيطان لربه
كفورا * ( 27 ) * وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها
شرح
( من بعد نوح ) كعاد وغيرهم ( وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ) عالما ببواطنها وظواهرها ( من كان يريد
العاجلة ) الدنيا بعمله ( عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) التعجيل له ( ثم جعلنا له جهنم يصلاها ( 1 ) ) يدخلها ( مذموما )
ملولا ( مدحورا ) مطرودا من رحمة الله ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ) حق السعي لأجلها بفعل ما أمر به
وترك ما نهي عنه ( وهو مؤمن ) إذ لا نفع للعمل بدون الإيمان ( فأولئك كان سعيهم مشكورا ) مقبولا عند الله مثابا
عليه ( كلا ) كل واحد من الفريقين ( نمد ) نعطي ( هؤلاء وهؤلاء ) بدل من كلا ( من عطاء ربك ) رزقه ( وما كان
عطاء ربك محظورا ) ممنوعا في الدنيا من مؤمن ولا كافر ( أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ) في الرزق والجاه
( وللآخرة أكبر ) أعظم ( درجات وأكبر تفضيلا )
من الدنيا ( لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد ) فتصير
( مذموما ) على لسان العقلاء ( مخذولا ) لا ناصر لك
( وقضى ربك ) أمر أمرا جزما ( ألا تعبدوا إلا إياه
وبالوالدين ) وأن تحسنوا ( إحسانا ) عظيما ( إما
يبلغن ( 2 ) عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما
أف ( 3 ) ) فلا تضجر منهما عن الصادق ( عليه السلام )
أدنى العقوق أف ولو علم الله شيئا أهون منه لنهى
عنه ( ولا تنهرهما ) لا تزجرهما بإغلاظ ( وقل لهما
قولا كريما ) جميلا رفيقا ( واخفض لهما جناح الذل )
الإضافة البيانية أي جناحك الذليل ( من الرحمة ) من
الرقة عليهما ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )
كرحمتهما لي بتربيتهما إياي صغيرا فإني عاجز عن
مكافأتهما ( ربكم أعلم بما في نفوسكم ) من بر وعقوق
( إن تكونوا صالحين ) طائعين له ( فإنه كان للأوابين )
التوابين عن تقصير صدر منهم في حق الوالدين
( غفورا ) لتقصيرهم أو لذنب كل تائب ( وآت ذا
القربى حقه ) من صلة الرحم بالمال والنفس ، وعن
أهل البيت المراد به قرابة الرسول ( والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ) بالإنفاق في غير طاعة الله ( إن المبذرين
كانوا إخوان الشياطين ) أتباعهم وعلى سنتهم في الإسراف ( وكان الشيطان لربه كفورا ) شديد الكفر فكذا
متبعه المبذر ( وإما تعرضن عنهم ) عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل إذ لم تجد ما تعطيهم ( ابتغاء رحمة من ربك
ترجوها ) لطلب رزق منه تنتظره أن يأتيك فتعطيهم منه . . .
هامش
( 1 ) يصليها .
( 2 ) يبلغان : بتشديد النون بالكسر .
( 3 ) أف : بالتشديد بالكسر والفتح من غير تنوين .