مستوفى . والغرض من هذه الوجوه الثلاثة في هذا المقام أن يتحقّق عندك أنّ الاختلاف للأشياء ذاتيّ لها لازم لماهيّتها لا يمكن انفكاكه عنها ، وأنّ الأسماء الإلهيّة على أنواع طبقاتها التي صارت الأشياء مظاهرا لها وهي أيضا مختلفة الأعيان والحقائق فلا بدّ للاختلاف فيها أيضا وفي مظاهرها من غير تكرار ولا انتهاء ، لقوله :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّه ُ مِنْ بَعْدِه ِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّه ِ إِنَّ اللَّه َ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ لقمان : 27 ] .
لأنّ كلماته ليست إلَّا الأشياء الممكنة ، كما أثبتناه عقلا ونقلا ، فلا بدّ أن يكون في الوجود : مسلم وكافر ، وكامل وناقص ، وقبيح وحسن ، ولا بدّ أن يكون لهم فاعل وموجد وخالق يتوجّهون إليه ، وهذا الفاعل حقيقة ليس إلَّا الحقّ ، فلا بدّ من توجّه كلّ موجود إليه ، لكن التوجّه يختلف باختلاف المتوجّه ، لأنّ التوجّه الخاصّ بالإنسان والتوجّه الخاصّ بالملك والتوجّه الخاص بالحيوان ليس كالتوجّه الخاص بالنبات ، فكذلك الكافر والمسلم والموحّد والمشرك والحجر والمدر ، لقوله :
لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها [ البقرة : 148 ] .
وحيث إنّ الصراط الذي يتوجّهون إليه على قسمين : وجوديّ حقيقيّ إلهي ، وشرعيّ وضعي نبويّ ، قال في الأوّل :
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّه ِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 56 ] .
لأنّ بهذا يلزم أن يكون كلّ دابّة أعني كلّ موجود على صراط مستقيم ، وهذا صحيح إذا أردنا الصراط الوجودي ، وأمّا إذا أردنا الصراط
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 353
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص٣٥٣