وقد سبق أنّ النفس في الإنسان المعبّر عنه بالأنفس بمثابة النساء في الآفاق ، فكما يجب مخالفة النساء في أكثر الأحوال فكذلك يجب مخالفة النفس في أكثر الأحوال ، ولولا ذلك لم يكن مخالفتها موجب الدخول في الجنّة من غير تأخير ، والذي ورد أيضا :
« إنّ النار حفّت بالشهوات وأنّ الجنّة حفّت بالمكاره » [ نهج البلاغة ، الخطبة 176 ] .
هذا معناه ، لأنّ الشهوات مطلقا من مقتضى النفس والنار لازمة لها ، والمكاره والمخالفة من مقتضى العقل الصحيح والشرع الإلهي ، لا بدّ وأن يكون ثمرتها الجنّة ، وإلى هذا المعنى أشار الحقّ تعالى في قوله :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّه َ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت : 69 ] .
لأنّ تقييده ب « فينا » يدلّ على أنّ مجاهدة النفس لو لم يكن في اللَّه وفي سبيله لم ينفع ، ولا يكون موجب الدخول في الجنّة ، ولا سبب الهداية إلى اللَّه تعالى وطريقه المستقيم .
واتّفاق المشايخ على منع السالك عن السلوك بنفسه من غير شيخ كامل ، أو إمام ، أو نبيّ كان في هذا المقام ، وذلك لأنّ الشخص مثلا إذا شرع في السلوك بنفسه لم يخلص هو من مطاوعة النفس وملاءمتها أعني ما يلائمها وما لا يلائمها ، وسلوك سبيل اللَّه مبنيّ على مخالفتها دائما ، فكيف يمكن إصابة ذلك الشخص الذي يسلك بنفسه سلوك سبيل اللَّه وإليه
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 297
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص٢٩٧