( في أنّ الماء هو العلم )
ووجه آخر : أنّ الماء هو العلم الإلهي ( 171 ) الأزليّ الذي عليه كلّ
هامش
( 171 ) قوله : إنّ الماء هو العلم الإلهي .
العالم مظهر الحكمة والعلم ، قال سبحانه وتعالى :
* ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) * ( الملك : 14 ) .
قال الإمام الباقر عليه السّلام :
« إنّ اللَّه عزّ وجلّ ابتدع الأشياء كلَّها بعلمه على غير مثال كان قبله . . . لقوله تعالى : * ( وَكانَ عَرْشُه ُ عَلَى الْماءِ ) * ( هود : 7 ) .
( الكافي ج 1 ص 256 ، باب نادر فيه ذكر الغيب ) .
قال أمير المؤمنين عليه السّلام :
« إنّ للَّه نهرا دون عرشه ودون النهر الذي دون عرشه نور نوّره ، وإنّ في حافّتي النهر روحين مخلوقين : روح القدس ، وروح من أمره » ( الكافي ج 1 ص 389 باب خلق أبدان الأئمّة الحديث 3 ) .
قيل : كأنّه عليه السّلام شبّه علم الأنبياء عليهم السّلام بالنهر لمناسبة ما بينهما في كون أحدهما مادّة حياة الروح ، والآخر مادّة حياة الجسم . ( بحار الأنوار ج 61 ص 48 ) .
قال القيصري : وإنّما شبّه العلم بالماء لكونه سبب حياة الأرواح كما أنّ الماء سبب حياة الأشباح ، ولذلك يعبّر الماء بالعلم ، وفسّر ابن عبّاس * ( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً ) * بالعلم .
( شرح فصول الحكم ص 245 ) .
قال الطبرسي في « مجمع البيان » في قوله تعالى :
* ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ) * ( الجنّ : 16 ) .
عن بريد العجلي ، عن أبي عبد اللَّه الصادق عليه السّلام قال :
« معناه لأفدناهم علما كثيرا يتعلَّمونه من الأئمّة عليهم السّلام » .
قال محيي الدّين العربي في تفسير الآية :
* ( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) * ( طه : 5 ) .
« الرحمن » أي ربّك الجليل المحتجب بحجب المخلوقات لجلاله ، وهو الجميل المتجلَّي بجمال رحمته على الكلّ ، إذ لا يخلو شيء من الرحمة الرحمانيّة ، وإلَّا لم يوجد ، ولهذا اختصّ الرحمن به دون الرحيم ، لامتناع عموم الفيض للكلّ إلَّا منه ، فكما استوى على العرش وجود الكلّ بظهور الصفة الرحمانيّة فيه وظهور أثرها ، أي الفيض العام منه إلى جميع الموجودات ، فكذا استوى على عرش قلبك بظهور جميع صفاته فيه ، ووصول أثرها منه إلى جميع الخلائق ، فصرت رحمة للعالمين وصارت نبوّتك عامّة خاتمة . انتهى ( تفسير القرآن الكريم لمحيى الدّين ج 2 ص 32 ) .
أقول : وانظر إلى الآية والحديثين التاليين كيف بيّن اللَّه تعالى بأنّهم مظهر رحمة اللَّه الواسعة وحملة عرش اللَّه وعلمه .
* ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَه ُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِه ِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً ) * ( غافر : 7 ) .
روى الكليني بإسناده عن سدير الصيرفي قال : سمعت حمران بن أعين يسأل أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللَّه عزّ وجلّ :
* ( بَدِيعُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ ) * ( الأنعام : 101 ) .
قال أبو جعفر عليه السّلام : إنّ اللَّه عزّ وجلّ ابتدع الأشياء كلَّها بعلمه على غير مثال كان قبله ، فابتدع السماوات والأرضين ولم يكن قبلهنّ سماوات ولا أرضون ، أما تسمع لقوله تعالى :
* ( وَكانَ عَرْشُه ُ عَلَى الْماءِ ) * ( هود : 9 ) .
فقال له حمران : أرأيت قوله جلّ ذكره :
* ( عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِه ِ أَحَداً ) * ( الجنّ : 27 ) .
فقال أبو جعفر عليه السّلام :
* ( إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ) * ( الجنّ : 28 ) .
وكان واللَّه محمّد ممّن ارتضاه .
وأمّا قوله : * ( عالِمُ الْغَيْبِ ) * فإنّ اللَّه عزّ وجلّ بما غاب عن خلقه فيما يقدّر من شيء ، ويقضيه في علمه قبل أن يخلقه ، وقبل أن يفيضه إلى الملائكة ، فذلك يا حمران ! علم موقوف عنده ، إليه فيه المشيئة ، فيقضيه إذا أراد ، ويبدو له فيه فلا يمضيه ، وأمّا العلم الذي يقدّره اللَّه عزّ وجلّ فيقضيه ويمضيه فهو العلم الذي انتهى إلى رسول اللَّه 9 ثمّ إلينا » .
( الكافي ج 1 باب نادر فيه ذكر الغيب ص 256 ، الحديث 1 ) .
وروى مثله المجلسي عن « بصائر الدرجات » في البحار ج 26 ، ص 165 الحديث 20 .
وقال الصادق عليه السّلام في قوله تعالى :
* ( وَكانَ عَرْشُه ُ عَلَى الْماءِ ) * « إنّ اللَّه عزّ وجلّ حمل علمه ودينه الماء قبل أن تكون أرض أو سماء أو جنّ أو إنس أو شمس أو قمر ، فلمّا أراد أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه فقال لهم : من ربّكم ؟ فكان أوّل من نطق رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه واله وأمير المؤمنين عليه السّلام والأئمّة صلوات اللَّه عليهم ، فقالوا : أنت ربّنا ، فحمّلهم العلم والدّين ، ثمّ قال للملائكة : هؤلاء حملة علمي وديني وأمنائي في خلقي وهم المسؤولون » ( التوحيد : 319 ) .