فيموت عن الحياة الحقيقيّة العلميّة الَّتي له بالجهل ، فإذا ماتت النفس عن هواها بقمعه ، انصرف القلب بالطبع والمحبّة الأصليّة إلى عالمه عالم القدس والنور والحياة الذاتيّة التي لا تقبل الموت أصلا ، وإلى هذا الموت والحياة أشار الحقّ تعالى في قوله :
أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناه ُ وَجَعَلْنا لَه ُ نُوراً يَمْشِي بِه ِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُه ُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [ الأنعام : 122 ] .
ومعناه أو من كان ميتا بالجهل فأحييناه بالعلم وجعلنا له نورا فيه يمشي في الناس عالما كاملا حيّا بالحياة الأبديّة ، كمن هو في ظلمات الجهل بعد وما خرج منها ، وبل لا يمكن إخراجه منها ما دام هو موصوفا بالصفة المذكورة ، وقال جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام :
« الموت هو التّوبة ( 148 ) ، قال تعالى :
هامش
( 148 ) قوله : الموت هو التوبة لم أعثر بهذه العبارة في الأحاديث ، ولكن المضمون ، ثابت من جهة ومشهور في كلمات المحققين من العلماء من جهة أخرى وذلك لأنّ الموت في الحقيقة حياة جديدة وتولَّد آخر للإنسان كما أن التوبة الحقيقيّة تكون كذلك ، لأنّ بها يحصل للتائب حياة جديدة معنوية وتولَّدا آخر ، وهذا يؤثر في أعماله وحركاته وإعراضه عن المعاصي والشهوات وعن متاع الدنيا القليل ويتوجّه إلى اللَّه سبحانه بالمراقبة والإخلاص ، نعم للتوبة مراتب ولكل مرتبة أحكام وآثار ، كما أنّ الموت كذلك .
كما ورد : « الإسلام يجبّ ما قبله » وورد أيضا : « التوبة يجبّ ما قبلها » ، العوالي ج 2 ص 54 وج 1 ص 237 .
هذا بمعنى كما أنّ الإسلام حياة للكافر ، التوبة أيضا حياة للمؤمن والمسلم .
وروي عن النبيّ الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله : « الموت كفّارة لكلّ مسلم » ، أخرجه الغزالي في أحياء العلوم ج 4 ص 656 وأبو نعيم في حلية الأولياء ج 3 ص 121 والبحار ج 82 ص 171 ح 6 .
وورد عن الصادق عليه السّلام قال : قال رسول اللَّه عليه السّلام :
« الموت كفّارة لذنوب المؤمنين » ، بحار الأنوار ج 6 ص 151 ح 3 وج 82 ص 178 ح 21 .
وكما أنّ الموت نزع ، التوبة أيضا نزع ، قيل لعلي بن الحسين :
ما الموت ؟ قال : « للمؤمن كنزع ثياب وسخة قملة ، وفكّ قيود وأغلال ثقيلة » .
الحديث ، بحار الأنوار ج 6 ص 155 ، وورد عن جابر ، قال : قال الباقر عليه السّلام : « وعليكم بالتوبة والنزوع عمّا أنتم عليه » ، بحار الأنوار ج 46 ص 278 .
قال صدر المتألهين في تفسيره ج 3 ص 399 :
قوله : * ( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) * [ البقرة : 54 ] ، تتميما لتوبتكم ، بترك الشهوات واللذات وإماتة القوى الحيوانيّة بمنعها عن دواعيها ، كما قيل : « من لم يعذّب نفسه لم يمنعها ، ولم يقتلها لم يحيها » .
قد مرّت الإشارة إلى الموت الإرادي وذكرنا كلمات بعض الحكماء في التعليق 58 فراجع .
تبصرة : لا يتحقق الموت إلَّا بانقطاع التعلَّق عن الدنيا وما فيها ، هذا هو الموت الصغير وبه تقوم القيامة الصغرى .
وأمّا الموت الكبير والذي به تقوم القيامة الكبرى للميّت هو الَّذي لا يتحقق إلَّا بالانقطاع عن ما سوى اللَّه سبحانه وتعالى .
فهذان الموتان لا يستلزمان دائما خروج الروح عن البدن أي الموت الطبيعي المتعارف الذي لا بدّ لكل انسان أن يذوقه ، بل يمكن أن يتحقّقا أحيانا بدون ذلك الخروج وقبله ، وبل يمكن أن لا يتحقّقا بعد حتّى بعد الخروج إلَّا بعد العبور عن عقباته اللازمة .
فقولهم عليهم السّلام في المناجاة الشعبانية : « إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك » .
إشارة إلى الموت الأكبر ، أي : إلهي هب لي الموت عن ما سواك في هذه النشأة وقبل الموت الطبيعي .