الجنّة ، ثمّ إنّ إبليس شكّكه في صدق مقاله : « إنّي لكما لمن الناصحين » ، فنسي ما كان عنده يقينا ممّا هو فيه من الخير الدائم وشكّ في نصح إبليس فكأنّه باع اليقين بالشكّ بمتابعته ، وهي استعارة حسنة على سبيل الكناية عن استيعاض آدم الشكّ عن اليقين .
الثّاني ، قالوا : لمّا أخبره اللَّه تعالى عن عداوة إبليس له تيقّن ذلك فلمّا وسوس له إبليس شكّ في نصحه فكأنّه باع يقين عداوته بالشكّ ( في ذلك ) .
الثالث ، قول من نزّه آدم عليه السّلام ، هاهنا مثل قديم للعرب لمن عمل عملا لا يفيده وترك ما ينبغي له أن يفعله ، تمثّل به أمير المؤمنين عليه السّلام هاهنا ولم يرد أنّ آدم عليه السّلام شك في أمر اللَّه تعالى .
الرابع ، قوله : « والعزيمة بوهنه » . قال ابن عبّاس في قوله تعالى :
وَلَمْ نَجِدْ لَه ُ عَزْماً [ سورة طه : 115 ] .
( أي لم نجده ) حفظا لما أمر اللَّه به .
وقال قتادة : صبرا . وقال ضحاك : صريمة أمر ( 119 ) .
وحاصل هذه الأقوال يعود إلى أنّه لم يكن له قوّة على حفظ أوامر ( ما أمر ) اللَّه ، فكأنه باع العزم الَّذي كان ينبغي له ، والقوّة الَّتي كان ينبغي أن يحتفظ بها عن متابعة إبليس بالضعف والوهن عن تحمّل ما أمر اللَّه به .
الخامس ، قوله : « دار البليّة » ، هي دار الدنيا
، إذ كانت دار المحنة والابتلاء بمقاساة إبليس ومجاهدته .
هامش
( 119 ) قوله : وقال ضحاك .
راجع في الأقوال المذكورة : ( مجمع البيان ) سورة طه الآية 115 ، والدر المنثور ، ومعالم التنزيل ج 4 ، ص 34 ، في الآية المذكورة ، وتفسير الطبري جامع البيان ج 16 ، ص 161 ، أيضا فيها .
الصريمة : إحكام الأمر وإبرامه والعزيمة فيه ، وجمعها : الصرائم .
قال ابن منظور في لسان العرب : الصريمة : إحكامك أمرا وعزمك عليه ، ويقال : فلان ماضي الصريمة والعزيمة ، قال أبو الهيثم : الصريمة والعزيمة واحد .