إذا حملنا على مطلق النوع كان المراد أنّه جبل منها الصّورة الإنسانيّة بوسائط من صور ترددت في أطوار الخلقة كما قال تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناه ُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ [ سورة المؤمنون : 12 - 13 ] .
فالصورة الإنسانيّة جبلت من النطفة المتولَّدة من فضل الهضم الرابع المتولَّد من الأغذية ، وهي إمّا حيوانيّة أو نباتيّة ، والحيوانيّة تنتهي إلى النباتيّة ، والنباتيّة إنّما تتولَّد من صفو الأرض والماء وهي التربة المستعدة للإنبات وليس في ذلك مخالفة للظاهر ، فانّ تلك التربة بعد أن تواردت عليها أطوار الخلقة وأدوار الفطرة صارت منيّا فصدق عليها ان الصّورة الإنسانيّة جبلت منها .
وقوله : « أجمدها حتّى استمسكت وأصلدها حتّى صلصلت » .
الضمير في الجملتين راجع إلى الصّورة وما يتعلَّق بها من الأعضاء فالإجماد لغاية الاستمساك راجع إلى بعضها كاللحم والأعصاب والعروق وأشباهها ، والأصداد لغايته راجع إلى بعض آخر كالعظام والأسنان ، وإسناد ذلك إلى المدبّر الحكيم سبحانه لأنّه العلَّة الأولى وإن كان هناك لهذه الآثار أسباب قريبة طبيعيّة كالحارّ الغريزي فإنّه المستعدّ لتحريك الموادّ ويتبعه البرد ليسكنه عند الكمالات من الخلق ، وكالرطوبة فإنّها هي الَّتي تتخلق وتتشكل ويتبعها اليبوسة لحفظ الأشكال وإفادة التماسك .
وقوله : « لوقت معدود وأجل معلوم ( وأمد معلوم ) .
يحتمل أن يراد به أن لكلّ مرتبة من مراتب تركيب بدن الإنسان وانتقاله في أدوار الخلقة وقتا معدودا يقع فيه وأجلا معلوما يتمّ به ، ويحتمل أن يراد بالوقت المعدود والأجل المعلوم الوقت الَّذي يعلم اللَّه سبحانه انحلال هذا التركيب فيه كما قال تعالى :
وَما نُؤَخِّرُه ُ إِلَّا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ [ سورة هود : 104 ] .
قوله : « ثمّ نفخ فيها من روحه » .
أقول : الضمير المؤنّث راجع إلى الصورة ، وقد علمت أنّ هذه الإشارة جارية في القرآن الكريم كما قال تعالى :
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 285
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص٢٨٥