وعلى هذا حمل الحديث المروي : ( إن لكل آية ظهرا وبطنا " ولكل حرف حدا
ومطلعا ) ، لا على ما ذهب إليه الباطنية ، ومن هذا الوجه كل من كان حظه في العلوم أوفر كان
نصيبه من علم القرآن أكثر . ولذلك إذا ذكر تعالى حجة على ربوبيته ووحدانيته أتبعها
مرة بإضافته إلى أولي العقل ، ومرة إلى السامعين ، ومرة إلى المفكرين ، ومرة إلى
المتذكرين ، تنبيها أن بكل قوة من هذه القوى يمكن إدراك حقيقته منها ، وذلك نحو
قوله : ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) ، وغيرها من الآيات .
واعلم أنه قد يظهر منه بدقيق الفكر استنباط البراهين العقلية على طرق المتكلمين ،
فمن ذلك الاستدلال على حدوث العالم بتغير الصفات عليه وانتقاله من حال إلى حال ،
وهو آية الحدوث ، وقد ذكر الله تعالى في احتجاج إبراهيم الخليل ( 2 ) عليه السلام
استدلاله بحدوث الأقل على وجود المحدث والحكم على السماوات والأرض بحكم النيرات
الثلاث وهو الحدوث ، طردا " للدليل في كل ما هو مدلوله ، لتساويها في علة الحدوث
وهي الجسمانية .
ومن ذلك الاستدلال على أن صانع العالم واحد بدلالة التمانع المشار إليه في قوله تعالى :
( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) ، لأنه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجري
تدبيرهما على نظام ، ولا يتسق على إحكام ، ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما ، وذلك
لو أراد أحدهما إحياء جسم ، وأراد الآخر إماتته ، فإما أن تنفذ إرادتهما فتتناقض لاستحالة
تجزؤ الفعل إن فرض الاتفاق ، أو لامتناع اجتماع الضدين إن فرض الاختلاف . وإما
البرهان — صفحة 25
مساهمون: الزركشي
ص٢٥