ظلوم ) ، ووجه ذلك أن العطية من أيدينا مفتقرة إلى من يضع فيها حقا وجب عليها ،
ويطهرها بذلك من ذنوبها وأنجاسها ، ولولا اليد الآخذة ما قدر صاحب المال على صدقة .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من يرد الله به خيرا يفقهه ) في قوله تعالى : ( وإلهكم إله
واحد ) إلى قوله : ( لآيات لقوم يعقلون ) ، وقوله : ( انظر كيف نصرف
الآيات لعلهم يفقهون ) ، وقوله : ( تحسبهم جميعا " وقلوبهم شتى ذلك بأنهم
قوم لا يعقلون ) ، ووصف من لم يفهم عن المخلوقات بقوله : ( لا تفقهون
تسبيحهم ) ، ثم أعلم سبحانه سعة مغفرته لمن في الأرض الذين لا يسبحونه ولا تفقهون
تسبيح المسبحين من خلقه ، ثم أعلم بالعلة التي لأجلها حرموا الفقه عن ربهم ، وأن ذلك
هو ختم عقوبة الإعراض بقوله : ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين
لا يؤمنون بالآخرة حجابا " مستورا " . وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه . . . ) الآية .
وبالجملة فالقرآن كله لم ينزله تعالى ، إلا ليفهمه ، ويعلم ويفهم ، ولذلك خاطب به
أولى الألباب الذين يعقلون ، والذين يعلمون ، والذين يفقهون ، والذين يتفكرون ، ليدبروا
آياته ، وليتذكر أولو الألباب .
وكذلك ما خلق الله الدنيا إلا مثالا للآخرة ، فمن فقه عن ربه عز وجل مراده منها ،
فقد أراح نفسه ، وأجم فكره من هذه الجملة .
وفى هذا النوع من الفقه أفنى أولو الألباب أعمارهم ، وفى تعريفه أتعبوا قلوبهم ،
وواصلوا أفكارهم .
رزقنا الله من فضله العظيم نورا " نمشي به في الظلمات ، وفرقانا نفرق به بين المتشابهات !
البرهان — صفحة 145
مساهمون: الزركشي
ص١٤٥