وقال أبو عبيدة في قوله تعالى : * ( وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ) * قال : فارغا من
لحزن ، لعلمها أنه لم يغرق ; ومنه " دم فراغ " ، أي لا قود فيه ولا دية .
وقال بعض الأدباء : أخطأ أبو عبيدة في المعنى ; لو كان قلبها فارغا من الحزن عليه لما قال :
* ( لولا أن ربطنا على قلبها ) * لأنها كادت تبدى به .
وهذا الباب عظيم الخطر ; ومن هنا تهيب كثير من السلف تفسير القرآن ، وتركوا
القول فيه حذرا أن يزلوا فيذهبوا عن المراد ; وإن كانوا علماء باللسان فقهاء في الدين
وكان الأصمعي وهو إمام اللغة لا يفسر شيئا من غريب القرآن ، وحكى عنه أنه سئل عن
قوله تعالى : * ( شغفها حبا ) * فسكت وقال : هذا في القرآن ، ثم ذكر قولا لبعض العرب
في جارية لقوم أرادوا بيعها : أتبيعونها وهي لكم شغاف ! ولم يزد على هذا . ولهذا حث
النبي صلى الله عليه وسلم على تعلم إعراب القرآن وطلب معاني العربية .
واعلم أنه ليس لغير العالم بحقائق اللغة وموضوعاتها تفسير شئ من كلام الله ، ولا يكفى
في حقه تتعلم اليسير منها ; فقد يكون اللفظ مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين والمراد المعنى الآخر ;
وهذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من أفصح قريش ; سئل أبو بكر عن " الأب " فقال
أبو بكر : أي سماء تظلني ، وأي أرض تقلني إذا قلت في كلام الله ما لا أعلم ! وقرأ عمر سورة
" عبس " ، فلما بلغ " الأب " قال : الفاكهة قد عرفناها ، فما الأب ؟ ثم قال : لعمرك يا ابن
الخطاب إن هذا لهو التكلف . وروى عنه أيضا أنه قال : * ( آمنا به كل من عند
ربنا ) * : وفى رواية قال : فما الأب ؟ ثم قال : ما كلفنا ، أو ما أمرنا بهذا .
وما ذاك بجهل منهما لمعنى " الأب " ; وإنما يحتمل والله أعلم أن " الأب " من الألفاظ المشتركة
في لغتهما أو في لغات ، فخشيا إن فسراه بمعنى من معانيه أن يكون المراد غيره ; ولهذا اختلف
البرهان — صفحة 295
مساهمون: الزركشي
ص٢٩٥