والثاني أنه إنما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعاني خاصة ، وأنه صلى الله عليه وسلم
علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب ; وإنما تمسكوا بقوله تعالى : * ( نزل به الروح
الأمين على قلبك ) * .
والثالث أن جبريل صلى الله عليه وسلم إنما ألقى عليه المعنى ، وأنه عبر بهذه الألفاظ
بلغة العرب ، وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية ، ثم إنه أنزل به كذلك بعد ذلك .
فإن قيل : ما السر في إنزاله جملة إلى السماء ؟ قيل : فيه تفخيم لأمره وأمر من نزل
عليه ; وذلك بإعلان سكان السماوات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل
لأشرف الأمم ; ولقد صرفناه إليهم لينزله عليهم . ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت نزوله
منجما بسبب الوقائع لأهبطه إلى الأرض جملة .
فإن قيل : في أي زمان نزل جملة إلى سماء الدنيا ; بعد ظهور نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
أم قبلها ؟ قلت : قال الشيخ أبو شامة : الظاهر أنه قبلها ، أن وكلاهما محتمل ; فإن كان بعدها
فوجه التفخيم منه ما ذكرناه ، وإن كان قبلها ففائدته أظهر وأكثر .
فإن قلت : فقوله : * ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) * ، من جملة القرآن الذي نزل جملة
أم لا ؟ فإن لم يكن منه فما نزل جملة ؟ وإن كان منه فما وجه صحة هذه العبارة ؟ قلت :
ذكر فيه وجهين : أحدهما أن يكون معنى الكلام : ما حكمنا بإنزاله في القدر وقضائه
وقدرناه في الأزل ونحو ذلك . والثاني أن لفظه لفظ الماضي ومعناه الاستقبال ; أي ينزل جملة
في ليلة مباركة هي ليلة القدر ، واختير لفظ الماضي ; إما لتحققه وكونه لا بد منه ; وإما لأنه
حال اتصاله بالمنزل عليه يكون المضي في معناه محققا ; لأن نزوله منجما كان بعد نزوله جملة .
البرهان — صفحة 230
مساهمون: الزركشي
ص٢٣٠