أحدهما أن هذا علم مستور ، وسر محجوب استأثر الله به ، ولهذا قال الصديق رضي الله عنه
: في كل كتاب سر ، وسره في القرآن أوائل السور . قال الشعبي : إنها من المتشابه ،
نؤمن بظاهرها ، ونكل العلم فيها إلى الله عز وجل .
قال الإمام الرازي : وقد أنكر المتكلمون هذا القول وقالوا : لا يجوز أن يرد
في كتاب الله ما لا يفهمه الخلق ، لأن الله تعالى أمر بتدبره ، والاستنباط منه ; وذلك
لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه ، ولأنه كما جاز التعبد بما لا يعقل معناه في الأفعال ، فلم
لا يجوز في الأقوال بأن يأمرنا الله تارة بأن نتكلم بما نقف
على معناه ، وتارة بما لا نقف
على معناه ، ويكون القصد منه ظهور الانقياد والتسليم !
القول الثاني أن المراد منها معلوم ، وذكروا فيه ما يزيد على عشرين وجها ; فمنها
البعيد ، ومنها القريب :
أحدها : ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن كل حرف منها مأخوذ من اسم
من أسمائه سبحانه ، فالألف من " الله " واللام من " لطيف " ، والميم من " مجيد " ،
أو الألف من " آلائه " ، واللام من " لطفه " ، والميم من " مجده " . قال ابن فارس :
وهذا وجه جيد ، وله في كلام العرب شاهد : * قلنا لها قفى فقالت ق *
فعبر عن قولها " وقفت " بق .
الثاني : أن الله أقسم بهذه الحروف بأن هذا الكتاب الذي يقرؤه محمد هو الكتاب
المنزل لا شك فيه ، وذلك يدل على جلالة قدر هذه الحروف إذ كانت مادة البيان . وما في
كتب الله المنزلة باللغات المختلفة ، وهي أصول كلام الأمم بها يتعارفون ، وقد أقسم
الله تعالى ب * ( الفجر ) * * ( والطور ) * ; فكذلك شأن هذه الحروف في القسم بها .
البرهان — صفحة 173
مساهمون: الزركشي
ص١٧٣